سبتمبر 15، 2009

بين عربتي قطار

1_826310 رمقها عامل القطار وهي تضع أبناءها في المخزن المخصص للحقائب فعاد ليفتح الباب الفاصل بين الطرقة والعربة التي كان بها..

كانت تعلم ديته فأخرجت زوجا من الجنيهات ودسته في جيبه.. تظاهر الرجل بأنها أساءت فهمه ثم أعرب عن قلقه من أن يكتشف الكمساري الملعوب, لكنها طمأنته.

لحظات قليلة وتحول المكان الفاصل بين العربتين إلى سيرك وكأن هذه السيدة جاءت تتبعها البشرية كلها.. وقبل أن أفرد الجورنان وأجلس كانت أرض الطرقة قد امتلأت بالنائمين.

لا أعلم بالضبط ما الذي دفعني إلى تكرار النظر إليها .. كانت سمراء طويلة ممتلئة وكانت ذات عيون سوداء كالليل, ترتدي فستانا أبيض يكشف عن مصحف معلق على مفرق نهديها.. كنت أحاول أن أبعد نظري عنها لكن دون جدوى.

مالت على الرجل الذي يجلس بجوارها على الأرض وبدأت تحكي.. كان الرجل منشغلا في قراءة كتاب عن "جيفارا" بدا واضحا أنه لا يريد أن يسمع.. مصمصت شفتيها وتمتمت ببعض كلمات, ثم وضعت يدها على صدرها وقلبت المصحف الذهبي.

سرعان ما أكلها الملل قامت ومشت بين النائمين.. كان كعب حذائها العالي يزيد من عدم اتزانها حتى كادت تقع.. قبل أن يحدث ذلك مد الواقف عند النافذة يده لها .. وأحست أنه من الأنسب أن تتبادل معه أطراف الحديث..

من بعيد أشار الرجل إلى المصحف المعلق في صدرها .. أخبرها أنه من الحرام أن يعلق المصحف على نهد عار وأنه سوف يدفع خمسين جنيها كي يجنبها هذه المعصية.. على الفور خلعت السيدة حذاءها وقبل أن تهوي به على رأس الرجل كنت قد أمسكت يدها ..

استيقظ بعض الراقدين على صوت السيدة وهي تسب الرجل وعلى صوته وهو يصمها بالكفر.. ثم عادوا مرة أخرى إلى نومهم.

عادت السيدة إلى مكانها الأول وهي تتمتم بأن اليوم كان بائنا من أوله ..

فتحت خزنة الحقائب وأدخلت بعض الطعام إلى أبنائها.. حذرتهم من الخروج أو إصدار أي صوت حتى لا يحس بهم الكمساري وهي ليس معها نقود تدفعها لهم.

أخرجت من حقيبتها زجاجة بيرة ثم رشفت منها رشفتين.. نظرت إلي وأنا المستيقظ الوحيد في المكان, وأخبرتني أنها لا تشرب الخمر.. ثم ضحكت..

كانت المسافة إلى القاهرة بعيدة وأنا مللت من الوقوف ومللت من الصمت... ابتسمت لها.. ولم أرد.
بعد قليل اقتربت مني بشكل أظهر التجاعيد على وجهها.. وضعت ذراعها اللين على كتفي.. لامست خصلات شعري الحالك.. واحتضنتني بقوة.. ثم حكت عن مسكنها في القاهرة وأهلها في أسوان, وعن نفسها وكيف أنها أنجبت الكثير من الأبناء وأن بنات "اليومين دول" لا يستطيعون أن يفعلوا ما فعلته .. ثم قطعت كلامها وسألتني أن أحملها إلى بيتها إذا سكرت....

من مجموعة كوابيس الفتى الطائر.
نشرت في أخبار الأدب يوم الأحد الموافق 29 أكتوبر 2006 م.

هناك 15 تعليقًا:

علياء موسى يقول...

يا سبحان الله...برضه أول واحدة أعلق :)..
وبالتالي أكون أول واحدة لرابع مرة :):)..
عايزة جائزة أحسن قارئة بقى :)..

علياء موسى يقول...

تضع المصحف على صدرها..وتخرج زجاجة من الخمر وترشفها..ثم تحتضن البطل في النهاية!!! ويحملها إلى بيتها إذا سكرت!!!
تناقضات مذهلة في أفعالها,,فسيدة بتلك المواصفات.. لم تضع مصحف على صدرها؟؟!

كالعادة, لن أضيف جديد..فالقصة فعلاً رائعة يا عمرو..

فعلاً نجح وصفك في أن يجعلني أكره تلك السيدة دون أن أراها,,
وممكن لو كنت في عربة القطار كنت اتخانقت معاها زي الراجل ده ما عمل..

استخدام المصحف على التحديد هو ما يثير غضب القارئ..فإذا كانت تفعل كل تلك الأشياء..فهي حرة.. ولكن تضع المصحف على صدرها وهي بهذا الشكل وبتلك الملابس التي تكشف جسدها,, فهذا هو ما يثير غضب القارئ حقاً..
فاستخدام المصحف كرمز هو - من وجهة نظري المتواضعة - محور القصة, فالبطبع لن يرضى القارئ بوضع المصحف برقبة تلك السيدة الغير مهذبة..وهذا يثير غضبه وحنقه تجاهها طوال القصة..

عامةً أنا لست متخصصة لكي أحلل تلك القصة, ولكن هي في النهاية - والكعادة - ..أعجبتني جداً جداً..
وفقك الله يا عمرو :)..

واحده من الناس يقول...

هعلق بعد الفطار اكون فقت كده وصحصحت

ماشاء الله ياعلياء بتفكرينى بشبابى
ههههههههههه
على اساس انى فى الخمسين
بس كنت كده مجتهده ف التعليقات
ايام حلوه
:)

عمرو يقول...

أهلا علياء
طبعا أنا مش هاديكي جايزة أحسن قارئة لأن اتضح لي من تعليقك إنك بتيجي تحجزي مكان وتمشي بعدها على طول.. يعني مش أول واحدة بتقرا.. ودي فهلوة
:)

بالنسبة للقصة, فأنا مش عايز أحرقها.. بس فيه بعد آخر للقصة, يعني الست دي نفسها رمز, والشاب ده رمز, والمصحف برضه رمز والكتاب اللي بيتكلم عن جيفارا وهكذا

سعدت بيكي يا علياء
:)



زهرة
تيجي بالسلامة, وبالهنا والشفا
:)

محمد سلامة يقول...

عايز أقول إن القصة دي ورتني قد ايه عمر تطور من 2006 إلى 2009
طبعاً أنت عارف كده كويس
ومن فضلك اشرحلي الجملة بتاعت البوست اللي فات

جارة القمر يقول...

حلوة

واحده من الناس يقول...

تخيل انى اعرف جيفارا
طبعا حاجه غريبه والله
ماعلينا
طبعا هذا الكتاب به الكثير من القصص التى تقريبا قد حفظتها
اعجبت جدا بمرارة روح بل ولم امل من تكرار قرآتها عشرات المرات
وعشقت قصة طويله عريضه فارغه والتى اتمنى ان تعرضها هنا قريبا ليتسنى للجميع ومن لا يملكون كتابك بالاخص قرآتها ليرون روعة الكتابه على سطورها
وايضا قصة خطأ
وتلك القصه مثالا للرمزيه واللعب بالكلمات فهى مثالا رائعا لما يجرى فى مصر
احد المتفرجين لايملك سوى تصفح كتاب لجيفارا قائد الثوره فى غواتيمالا
فقط يتصفحه ولا يعرف عن تطبيق ما فعله جيفارا شيئا
مثله مثل كثيرون يتفردون بلغة الصمت

والبطله التى ترشو الكمسارى ببضعة جنيهات ليدخلها الكابينه بدون تذاكر ومعها ابناؤها
وهذا حال كثير من المصريين
اما راشين او مرتشون وكلا منهما له اسبابه
ومن ثم يشير الرجل للمصحف وقد اكتسى بثوب الدين فيطلب منها شراءه ليجنبها المعصيه

دون ان ادخل فى تفاصيل قصتك التى تتخم بالرموز التى تشير الى اشياء واشياء نعلمها سلفا
قصتك تلك هى واحده من قصصك الرائعه

والتى تحتاج للقرأه مرتين للانتباه الى خفاياها

Heba Gamal Emara يقول...

طبعا اول ما قرأت العنوان عرفت انها من كتاب كوابيس الفتى الطائر
وانا قراتها من الكتاب وفعلا عجبتنى جدا جدا
جزاك الله كل الخير
اما بالنسبه للحاجه الفرايحى دى انا عايزة قصة مش كحك :):):)
ماهو ماما كمان بتعمل كحك :):):)

علياء موسى يقول...

عمرو..
أنا كنت تركت تعليق في البوست إللى فات ووضحت إنه ما كانش بيبقى فيه فرصة إني أقرا وأعلق..
وحكاية أول تعليق دي كانت هزار,, ليس أكثر..
وإن كان على الجائزة, مش عيزاها..
هه..بس
(ووش زعلان كمان)..

enjy يقول...

سؤال لولبى

اشمعنى البشرية كلها عندها كوابيس الفتى الطائر وانا لا؟؟؟؟

دى اجيبها منين دى ايها الرفيق عمرو؟؟

المهم....عجبتنى القصة دى اوى..مكرهتش الست بالعكس..حبيتها اوى..حسيت انها قوية وضعيفة وعندها مبادىء ومعندهاش يعنى بتطوع الظروف حسب مزاجها كدة..

عموما يعنى انت زى ما انت..رائع

ponpona يقول...

أن آه
:)
قرأتها قبل كده بس اقرأها تاني ايه المانع يعني


تضع أبناءها في المخزن المخصص للحقائب وتحذرهم من إصدار الأصوات كي لا يحس بهم الكمساري وهي ليس معها النقود

هي تعلم ديته ... وهو يتظاهر بالعكس ، ثم يمتلئ المكان بآخزون لابد وأنهم أيضا يعلمون ديته

ترتدي فستانا أبيض يكشف عن مصحف معلق على مفرق نهديها ، وأنا لم أغضب ولا أري تعارضا بين هذا وذاك
فستانها المكشوف لا يخلع عنها ايمانها وان كان ينتقص منه ، لكني أري أن الجميع فعلا مؤمنون وان بداخلهم يسكن شيئ من مبادئ وان اختلفت طريقتهم في التعبير


الجميع بين عربتي القطار
الجميع ف الهوا سوا ....

وهو "المثقف" يترفع عن محادثة مثلها ويحدثها في نفسه أن بالله عليك ماذا تظني في نفسك ولست سوي واحدة منهم تقضي النهار وسط الأولاد والليل في أي مكان مناسب يفي باحتياجاتها الصباحيه

تمتم ببعض كلمات, ثم تضع يدها على صدرها وتقبل المصحف هي تعرف أنه يفكر هكذا ... معظم الرجال يفكرون بها هكذا فترفع حذاءها وتقرر أن تهوي به على رأس أحدهم عل مخه ينعدل ويفكر فيها بطريقه أفضل ، أو لا يفكر فيها علي الاطلاق

هي فعلا لاتريد الا أن تتحدث

تحدث جلبه .. يستيقظ بعض الراقدين ، لكن ينتهي كل شئ ويعاودوا النوم مرة أخرى
نحن نفعل هذا ودائما ... ننتبه قليلا اذا ماحدثت كارثه ، وبمرور الوقت تهدأ الأشياء ومن ثم تعود ريما لعادته القديما

بيدها الزجاجه وتخبر أنها لا تشرب الخمر ثم تطلب أن يحملها إلى بيتها إذا ما هي سكرت....

هي تفعل أشياء ولا تريدها وتريد أشياء ولا تستطيع أن تفعلها ، سكنها في القاهرة وأهلها في أسوان وتعيش في عالم مليئ بالمتناقضات لكنها تعيش ، تلعن الظروف وتتعامل معها لأنها ببساطه هي الوضع القائم

عمرو
عارف .. أعتقد اني أقدر أعرف ان انت
اللي كاتب القصه حتي لو من غير امضاء ...

فقط يكفيني أن أقرأ العنوان

:)


انجي
اذا كانت البشرية كلها عندها كوابيس الفتى الطائر الا أنت
اذن أضيفيني الي اليك ، لتكون كوابيس الفتى الطائر لدي البشرية كلها الا انت وأنا

......

عمرو يقول...

سلامة حبيبي
التطور حصل يا باشا لما شعرا كبار زيك ابتدوا يقروا لي
:)
إيه رأيك؟ مش أخجلت غروركم؟
:)



جارة القمر
حلوة؟ بس؟ طيب شكراً (بس)




زهرة
طبعا يا زهرة لام تتقري مرة واتنين وتلاتة.. طيب انتي تعرفي طلبوا مني يدرسوها في المدارس مكان قصة نظرة ليوسف إدريس.. بس انتي عارفة يوسف عزيز علي ههههه
:)



هبة
انتم كمان عندكم ماما بتعمل كعك؟ ليه هو فيه مناسبة حلوة قريبة؟ هههههه
شكرا يا هبة على كل كلامك الحلو ده




علياء موسى
إحنا هانتقمص من أولها ولا إيه؟ يا ستي انتي تؤمري.. شوفي الجايزة اللي انتي عايزاها واحنا نوصلها لغاية البيت
:)




إنجي
إجابة مباشرة.. عشان ما فيش منه في السوق.. إحنا حالياً بنعيد طبعه مع دار أكتب, وإن شاء الله هانكسر بيه الدنيا
:)



بنبونة
قريتي فين القصة؟ هاه؟ لازم تقولي.. عموماً أنا هاعمل حسابك إنتي وإنجي في نسختين تشتروهم لما أكتب تطبع لنا
هههههههه

طبعا يكفي إنك تقري عنوان القصة عشان تعرفي إنها قصتي.. يا سلام.. لازم تفكريني يعني بإني إبداعي متميز ومتفرد
يا خرابي علي
:):):):):):)

علياء موسى يقول...

"نتقمص من أولها"؟؟ يا للهول!!!

بس يالا.. طالما قلت هنوصلك الجايزة,, يبقى خلاص... عفونا عنك :):):)

(هروح بقى أفكر ف الجايزة إللي هطلبها D: )

عمرو يقول...

:)

Heba Gamal Emara يقول...

تخيل يا استاذ عمرو
والله العظيم
هو حضرتك متعرفش ان العيد الصغير بعد رمضان
والله العظيم
:)
كل سنه وحضرتك طيب