يناير 03، 2010

من التاريخ السري لعمرو السيد (5)

GetAttachment.aspx على رصيف 8 في محطة رمسيس وقف رجال الأمن كي يمنعوا العابرين من الدخول إذا لم يشتروا تذكرة قيمتها جنيه واحد فقط. أنا بالطبع لم أرغب في دفع هذا الجنيه لأنني لست زائراً. أنا جئت كي أحجز تذكرة القطار, ومن غير المنطقي أن أدفع لدخول الرصيف ثم أدفع ثانية ثمن التذكرة. والقضية هنا ليست قضية المال على الإطلاق.. إنها قضية منطق.


المهم أنني عبرت ثم حين رجعت كي أغادر المحطة أحسست أنني أمارس الازدواجية في أقصى صورها. رجعت إلى رجال الأمن وسألتهم عن سبب دفع التذكرة فقالوا إنها من أجل دخول الرصيف. قلت إن الداخلون إلى الأرصفة 1, و2, و3, و4, و5, و6 لا يدفعون فلماذا يدفع أهل الصعيد فقط على الأرصفة 8, و9, و10, و11. رجل الأمن الذي على البوابة قال لي إن كلامي صحيحاً وأخبرني أن علي أن أتوجه إلى رئيس هيئة السكك الحديدية وأخبره.


طبعا هذا الحارس يريد أن "يسخنني". أو هو لا يريد الوصول إلى الحق, وإنما يحاول فقط أن يسكتني. فكرت للحظة أن أمشي وأغادر المحطة, لكن محاربتي للازدواجية جعلتني أتحول مرة أخرى وأقبل التحدي, حصلت على تذكرة وقررت خوض التجربة.

- فين مكتب رئيس الهيئة يا ابني..

كنت أتحدث إلى رجل في الأربعين من عمره يبدو من ملابسه أنه يعمل بالهيئة.. ينبغي عليك أن تكون مستعداً لهذا الموقف إذا كنت ترغب في خوضه. أنا كنت ألبس ملابساً تعزز موقفي, واستعرت من الألفاظ ما يشعر العاملين بأنهم أدنى مني سلطة.


- هو فيه مشكلة ولا حاجة يا بيه؟
- انت بتشتغل إيه هنا؟
- أنا موظف هنا.
- طيب خلاص ما تكلمنيش خالص. أنا باسأل سؤال واضح.. فين مكتب رئيس الهيئة.

يمكنك أن تستعير أيضاً بعض القوالب الجاهزة في مثل هذه المواقف فتقول: "طيب اسكت عشان ما تضرش نفسك".. وإن كنت من الذين يستطيعون إطلاق السباب (على ألا تكون مزدوجاً في هذا فتستخدمها في الشارع لكنك تمنع أولادك في البيت من الحديث بها) يمكنك أن تستخدم بعض الشتائم المراعية للبيئة مثل "حيوان, أو حمار, أو جربوع", لكن احذر من التمادي في هذا فقد يجرك إلى جنحة.

- فين مكتب رئيس الهيئة؟ (أتحدث إلى موظف آخر)
- فيه حاجة يا فندم؟
- مش شغلك.
- اطلع السلم ده.
- ده سلم طوارئ يا أستاذ.. أنا أطلع من سلم الطوارئ؟ فين السلم اللي بيطلع عليه رئيس الهيئة؟
- من هنا يا فندم.

لاحظ أنك لو اتبعت كلامه وصعدت من سلم الطوارئ سيشك في أمرك.. هو الآن يظن أنك "رتبة" والرتب لها ألفاظ, وأفعال ونظرات معينة. أهم شيء ألا يشعر أنك لست كذلك, وأن تنظر في عينيه مباشرة ولا تتردد.

لن أتحدث طويلاً عن كم الأفراد الذين قابلونني في الطريق وتعاملت معهم بنفس الطريقة. في مكتب رئيس الهيئة العامة للسكك الحديدية قابلت السكرتير. وقررت ألا أدخل للرئيس. لماذا؟ أنا أؤمن باللامركزية جداً, وفي ظل الكيان المركزي لكل الأمور لدينا أعتقد أنه علينا أن نحل مشكلاتنا على المستويات الأدنى ثم تصعيدها... هذا يبدو منطقياً بشكل أكبر. أمسكت بالتذكرة وعرضتها على السكرتير.

- شفت التذكرة دي قبل كده؟

لاحظ أنني هنا من يسأل. هو يسأل في نفسه أيضاً عن هويتي. لكنك الآن تفهم اللعبة. ينبغي أن تظل هويتك غامضة وأن تتحدث بثقة كبيرة. بهذا سيعطونك اهتماماً غير عادي.

- دي من عندنا يا فندم.
- عفارم عليك. من عندكم. بتجمعوها ليه؟ وبتروح فين؟ التذكرة دي مش قانونية. غير إنها مش بتتجمع على جميع الأرصفة. (العديد من الأسئلة ثم أبتع الأسئلة بتهمتين أو ثلاثة)

بدا القلق على وجه الرجل ثم رفع سماعة التليفون واتصل بمفتش المحطة. المفتش رجل أكثر خبثاً منهم جميعاً, وأكثر ثباتاً. يحتاج التغلب عليه إلى أن ترهبه بخطأ في عمله.

- فين الغرض من التذكرة؟ مش مكتوب ليه عليها؟

هنا فقط بدا على الرجل التردد, وقال لي:
- تعالى وريني مين اللي باع لك التذكرة.

رجعت إلى البوابة معه وتجمع حولنا بعض الموظفين والحراس الذين أكلهم الفضول. الكمساري الذي يقطع التذاكر على الباب بدا مسكيناً للغاية ولا حول له ولا قوة. حينما طلبت منه أن يرى التذكرة التي في يدي, أعطاني مجموعة التذاكر التي فيه يده كلها. نظرت فإذا الغرض من التذكرة مكتوباً لكن الكمساري أثناء قطع تذكرتي لم يقطعها بشكل كامل. بدأ الإحراج يتسلل إلي. نظر إلي الكمساري وقال:

- حضرتك لو عاوز تمن التذكرة أهو.
- انت بتديني جنيه؟ أنا هاشتري المجموعة دي كلها.. الدفتر كله. (وده معناه إني هاخد ده كدليل على فساد يعني)

التمادي في اللعبة لم يبد قراراً جيداً خاصة بعدما علمت بما لا يدع مجالاً للشك أن التذكرة قانونية. وأوضح لي أحدهم فلسفة الهيئة في قطع هذه التذاكر وكيف يمكن لمن يريد حجز تذاكر السفر ألا يدفع تذكرة الزائرين لدخول الرصيف. نظرة بعيني إلى الأرصفة الأخرى أدركت بعدها أن الأرصفة الأولى في المحطة يقف عليها كمسارية أيضاً لابد وأنهم يقطعون مثل هذه التذكرة. نظرت بغل إلى الحارس الذي نصحني بأن "أطلع" لرئيس الهيئة وقال إن كلامي كله صحيحاً.

- يا فندم هما بس مش عارفين يتعاملوا مع الناس إزاي.. لكن الموضوع كله قانوني.

هكذا قال أحد الموظفين اللبقين. وانهارت أمام عيني القضية التي كنت أبحث عنها.

- أنا المهم عندي إن البلد تمشي صح.

سلمت عليهم (بألاطة كبيرة) ثم تحولت إلى الخلف. صحيح أنني ضيعت وقتاً طويلاً في مناقشات لا داعي منها. إلا أنني شعرت بالانفرادية (عكس الازدواجية يعني) واستمتعت بهذا الشعور كثيراً.

هناك 11 تعليقًا:

علياء يقول...

أنا أول تعليق هيييييييه :)
لسه جاية علشان أكتب
waiting for sumthing new
لقيت الجديد علطول :)

مفروض تكتب على مدونتك "اطلب اتمنى" يا عمرو هههههه

هقرا بقى وأرجع تاني :)

واحده من الناس يقول...

هههههههههههههههه
والله تحفه
ياعم انت ياللى شاغل نفسك بالبلد
ماترشح نفسك طيب للرئاسه
ونحن طبعا مش ورائك
ههههههههه
انا هشترى نفسى ساعتها
هههههههههه

علياء يقول...

ههههههه
حلوة قوي "اسكت انت علشان ما تضرش نفسك" و "أنا المهم عندي ان البلد تمشي صح"..
نصير الغلابا من يومك يا عمرو ههههههه
وخايف على مصلحة البلد..
لا بجد بوست جميل والله :)

Isolde يقول...

هي الصورة عندي تعبانة حبتين عشان انا صاحية من زمان اوي... هاحاول انام كويس و اصحي اقرا تاني و اقول لك رايي علي طول... تصبح علي خير... ايه ده، لا ده عندي و عندك دلوقتي نهار، يبقي نهارك سعيد
:)

Heba Gamal Emara يقول...

صورة البوست عجبتنى اوى بجد بتعبر عنه:):)

البوست نفسه حلو ومكتوب بطريقه تضحك على الرغم من انه بيناقش مشكله كبيرة ...

وهى دى الطريقه اللى بيلجالها معظم الناس علشان الدنيا تمشى ..
يا خسارة ...........

عطش الصبار يقول...

طيب ماحدش نصحك تروح ليوسف بطرس غالى
يا عمرو
التذكره الجايه هتبقى على استنشاق الهوا الهوى البحرى بجنيه والقبلى بخمسه
بوست تحححححححححححححححححححححفه وتصرف ايجابى
تحياتى

جارة القمر يقول...

:):):):)

بجد انت فظييييييييع يا عمرو لا وراسم الدور صح فعلا ههههههههههههه ضحكتنى و الله

ربنا يكرمك يا عمرو

Isolde يقول...

:)

غير معرف يقول...

سخنوك يا عمرو ..... ؛ معلهش !!!! بس عجبني الحوار اللي دار بينك وبين نفسك ده... ( شويه جرابيع )!!!! بس هما كمان غلابة وعبيد المأمور وبينفذوا ، إدبح زكي قدرة !!!؛ بس المهم إنك فهمت عشان متحسش إنك إتضحك عليك ، ويكفي شعورك بالإنفرادية ....آه دا أنا ميضحكش عليا أبداً... بمزاجي ... وفلوسي علي جزمتي !!!!
كلام في سرك متعملهاش تاني ، المرةدي عدت مش عارفين المرة الجاية إيه إللي ممكن يحصل ....( إحنا بتوع القطر !!!)
* ممكن أسلم علي أحلي بنبوناية وميرسي ومولتو جراتسيا ودانكا شون علي الشاكاليتة إللي وصلتني وأسعدتني وفرحت قلبي والله أعلم بإللي جوايا ؛ ربنا يديم المحبة والمعروف بينا يا رب
وكمان علي فطومة وواحدة إللي هي زهرة وإنوجا والله أنا محظوظة بيكم .
أما عمرو محمود السيد فيسعد صباحك ويمك ويفرح قلبك ويبعدك عن المسخنتية قادر كريم .....!!!
ديدي

غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
عمرو يقول...

غير معرف
طبعا أنا ما أقصدش ديدي.. أنا أقصد البنت اللي سابت الكومنت اللي أنا حذفته.


تعرفي لما واحد يتحرش بواحدة في الطريق العام.. عارفة الإحساس ده؟ أقصد إحساس البنت طبعاً. طيب لو كل الطريق ده ناس تعرفهم, تفتكري إيه هايبقى احساسها؟ أهو أنا حاسس بده دلوقتي..