يوليو 20، 2009

أن تعيش في القاهرة

Cairo_Has_No_Traffic_Lights_by_AndySerrano

هي في سن أمي.. تقف كل يوم بنظارتها وجلبابها الأسودين في وقار شديد, وتمد يدها بكيس مناديل, فيلقي لها المارة بالنقود ولا يأخذون الكيس في أغلب الأحيان. شعور واحد ينتابني حين أراها, العار. أشعر بالعار.. ربما هو عار على البشرية كلها وعلينا كمصريين, أن تقف سيدة محترمة بأكياس مناديل أياً كانت النوايا والأسباب. عار أن تقف هكذا سيدة في عمر أمي..

في برد الشتاء المميت, كانت سيدة في الأربعينات من عمرها, تبيع أكياس خبز في الطريق ومعها طفل صغير, تدخله تحت خمارها فيبكي, تخرجه من تحته فيرتعش برداً, وأنا كنت أراقب من بعيد ونصل رشيق يتسحب من تحت رقبتي ودماء بالحزن تسيل..

بالأمس كنت بالقرب من كوبري فيصل فرأيت فتاة لا يزيد عمرها عن 15 سنة وكانت ترضع طفلاً على الرصيف ومعها طفل آخر. كل يوم أصعد السلم المواجه لقاعة المؤتمرات بمدينة نصر فأرى شاباً مقطوع الرجلين يمد يده ولا يتكلم بشيء. الكثير من الألم الصامت في شوارع المدينة... الكثير من الضجر. آلام تكفي كي تبكيك لسنوات.

كنت أمشي أمام محطة القطار برمسيس, حين أتت فتاة من خلفي وجرت كي تنزل بسرعة إلى بوابة المترو, وأنا كنت أمشي بطريقتي العادية. فأنا عادة ما أمشي كضباط الجيش في عروضهم العسكرية فيتأرجح ذراعي من أسفل لأعلى بعنف. في هذه اللحظة كنت أنظر للشمسي, تجاوزني نصف جسدها, وفوجئت مرة واحدة أن يدي قد استقرت في جزء محرج جداً منها. نظرت إلي فقلت على الفور "أنا آسف, ما كنتش أقصد". رمقتني بشكل يقول "زبالة وملت البلد". شعرت بعدها بالأسى لأيام فأنا لا أريد أن أؤذي أحداً عن عمد ولا بغير قصد.

مع أحمد الشمسي ذهبت إلى مستشفى التأمين الصحي, فاستقبلتنا صرخة من أم تحمل طفلاً صغيراً نائماً أو ميتاً لا أعرف, أمسكت هاتفها المحمول بلهفة وقالت "تامر مات يا منار.. تامر مات" لم يكن ما تطلقه بكاء بل كان ما أطلق عليه نشيج.

سألني الكثير من الناس "كيف تتحمل الحياة في القاهرة؟" أود لو أجيبهم بأني لا أتحملها. أن تعيش هنا في القاهرة فهذا يعني أن تتألم في كل خطوة.. من رؤية المعلقين في مواسير المترو, من رؤية الشحاذين وأطفال الشوارع, من سلوك البشر. أن تعيش في القاهرة فهذا يعني شعوراً بالتضاؤل لا ينتهي وشعوراً بالعار يلتصق بك ما مكثت بها.

كنت أشاهد التلفاز في مرة لم أكررها بعدها, فرأيت عمرو الليثي في برنامجه واحد من الناس يلتقي برجل من بولاق. يكشف عمرو الليثي عن 3000 أسرة تعيش في الشارع داخل بولاق منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً. حين سأل الرجل "بيتك كام قوضة؟" قال له "أنا عندي قوضة قاعد فيها أنا ومراتي وعيالي وأمي والحمار". الرجل حوذي (يعني عربجي) وحماره هو قوت يومه.. سأله عمرو الليثي "طيب ما تربط الحمار برة؟" رد الرجل "يتسرق يا بيه وهو أهم حاجة عندنا". حين قلبت المحطة من الوجع وجدت على القناة الأولى الكويتية برنامجاً مثيراً للاهتمام. كان البرنامج يسأل الناس في الشارع عن إمكانية الاستغناء عن الخادمة في البيوت الكويتية. الغريب أن جميع الأشقاء أعربوا عن الألم الشديد الذي يواجهونه في فترة الإجازة التي تأخذها الخادمة. وقالوا إن الحياة بدونها ما تصير.

عجبي

هناك 21 تعليقًا:

زهره ربيعيه يقول...

هل انت على يقين انك كنت تكتب كلمات .؟ام كنت تعزف سيمفونيه لاحزان سحبتنا معك الى دوامتها..؟
لقد تذكرت الان حلمى بالعيش فى القاهره..فقد كنت اظن انها بلد الاحلام..بالنسبة الى بلدتنا التى قتلت طموحاتنا خاصة كفتيات..
كم كنت اعشق الزحام الذى تختفى فيه ملامحنا واحلامنا..واعشق الوجوه المكدوده..اعشق العروق النافره فى وجوه العجائز والتى تحكى قصص عن سنوات اهدرت..
وصرت الان اشعر مثلك بالعار..من ذلك الزحام الذى يدوس آدميتنا..والفقر الذى يهين كرامتنا..ويسحب منا هوياتنا كمواطنين..فصرنا فى زمننا هذا بلا هويه ..مواطنين فى اوطن بلا وطن
الموضوع اكثر من شيق..رائع..اسلوبك ينم عن حزن لاول مره احبه..لا تغضب ان قلت لك ان يأسك كثيرا ما يثير سخطى..لان الحياه لا تستحق ان نحزن رغم احزاننا الكثيره..انا اليوم انحنى لك اعجابا بالنظره العميقه التى شملت بيها كل مارايته

enjy يقول...

القاهرة بس؟؟؟؟؟؟؟؟

بغض النظر عن انى حسيت ان القاهرة مدينة تستحق اسمها بجدارة..قاهرة فعلا..حسيت انها بتبلعنى من بس زيارة واحدة..الله يكون فى عون سكانها غير الاصليين..غربة بشعة جوة الشوارع الواسعة ..

بس مش القاهرة بس هى الموجعة يا عمرو؟؟ اتالم الف مرة فى اليوم من بس العيال العايشين فى الشارع..دايما بحس بالذنب ..ذنب بشع انى عايشة وهما لا مع اننا زى بعض..ذنب بشع انه مضطر يشحت منى وهو زيي زيه..

الكلام فى الموضوع دة يطول بس انت حسستنى انى حرانة من الجو..عيشتنى جوة القاهرة لحظات حسستنى فيها انى جوة الكادر

عمرو السيد..انت تحفة

غير معرف يقول...

وأنا ايضا أنحني مع الزهرة الربيعية لبراعتك في ترجمة أحاسيسك "المهنة بتحكم برده"؛؛؛
إسمحلي أجدها فرصة كي أعبر لكم "صيغة إحترام يا دوك "عن إعجابنا الشديد لترجمتك لكتاب " قواعد الخارجين عن المألوف "( غروب / تنفس / عينان تحدقان في الفضاء ).أما من بوستاتك الغير مترجمة: فأشد ما أعجبني (الشمس تزور أبي/ دعينا نتفق / فستان من نور )أنا قرأتهم في يوم واحد تقريبا،مبسوطة إني تشرفت بمعرفتك ولو إنها متأخرة، وعلي فكرة أنا عرفتك من تعليقاتك عند تسنيم"حكايات من القلب"
فشكرا ليكم جمعاء؛ فلم أعد وحيدة بعد الآن فلقد صار لي أصدقاء أفتخر بهم فتقبلوا مروري ؛؛؛
ديدي

غير معرف يقول...

مش في القاهره بس الحكاية دية
دي في كل مصر (الا المناطق السياحية مش بنشوف حاجات زي دي طبعا خوفا علي الاجانب ليزعلوا و يقولوا oh my god
والله الواحد بيزعل جدا اما يشوف حد في سنه و بيطلب فلوس ( يشحت) او وانا قاعده في العربية وطفله المفروض يكون مكانها مع الاطفال الي بيلعبوا هناك عماله تمسح ازاز العربيه عشان تديها اي حاجه
وطبعا عشان الواحد مبقاش عارف يفرق بين الي بيمثلوا والي محتاجين بجد بقي يزعل علي كلو
فعلا والله حاجه تحزن
موضوع رائع يا عمرو
angel

عمرو يقول...

أهلاً زهرة
لن أغضب بالطبع.. بس على فكرة المدونة دي اسمها مرارة روح.. أنا ما غشيتش القارئ يعني. أنا من الأول أعلنتها صريحة إن المدونة دي هاتشتغل في الأزرق
عموماً أنا بافكر بالفعل في كتابة كام بوست تفاعلي متبهجج
:)

عمرو يقول...

يا إنجي أنا عندي سر ما تعرفيهوش
أنا باتكزف.. خالص قوي يعني (هههه) يعني أنا دلوقتي مكزوووف على الآخر. أعمل إيه في نفسي بس ما أنا عارف يا بنتي. بتفكريني ليه. عارف إني رهيب
:)

عمرو يقول...

أهلاً يا ديدي
عاملة إيه. أنا كنت باقرا تعليقاتك عند تسنيم. على فكرة أنا اللي أتشرف جدا بزيارتك لي.. وربنا يجعلني على أد الثقة دي.
استني هاندهلك بقيت زوار المدونة يرحبوا بيكي
يا إنجي
يا إيزولد
أحمد
نور
مايكل
تسنيم
عطش الصبار
زهرة ربيعية
ANGEL
أحمد شكل
تشي
آية مش هنا
تعالوا يا جماعة سلموا على ديدي
هات شاي يا ابني.. ولا تشربي حاجة ساقعة؟
:)

عمرو يقول...

أهلا ANGEL
بس الموضوع في القاهرة مركز للغاية. أنا مصدوم ليه؟ عشان عندنا في سوهاج الألم أقل بكتير من اللي أنا باشوفه في الشارع هنا
إلا قوليلي مش عايزاني أسلملك على حد تعرفيه؟
:)

زهره ربيعيه يقول...

ياعم عمرو انت مابتنزلش شارع الكاشف ولا ايه..متعرفش سوكا..دانا كتبت عنها قصه قبل كده..دى بقا اهلهاعايشين وهما اللى مشغلينها فى الشحاته عشان ياكلوا من وراها..وطلعوها من المدرسه..اللى يضحكك انها بتتصاحب على كل البنات اللى بتعدى هناك وانا منهم..وباخدها بالحضن كمان..ومره اعزمها وممكن مره افلس فتعزمنى.ههههههههههههههههه
بس الظاهره دى منتشره فى سوهاج..وخاصة جمب المستشفيات..وفى الاماكن الراقيه او الزحمه..انت بس اللى غايب عن سوهاج بقالك فتره ومعندكش خلفيه
وملحوظه.:خلى الحزن عليك والضحك علياهههههههههههههه

Isolde يقول...

سكووووووووووت، ولا كلمة زيادة. القاهرة مليانة بؤس و زحمة و زبالة و مآسي بس مش لوحدها، يا ابني تلات اربع سكان مصر بقوا بيشحتوا، مع اختلاف الاشكال. تعالوا كدة نشوف القاهرة من عينين تعشق الجمال، عمركوا مشيتوا ف وسط البلد و اتفرجتوا علي مبانيها كدة، شفتوا نادي الدبلوماسيين اللي ف شارع طلعت حرب؟ لما تقف تحت بلكونته تلاقي وشوش منحوتة بتضحكلك... وقفتوا و ضهركول لمجمع التحرير و وشكوا لقلب البلد اللي مالوش حل بالليل او بالنهار... دخلتوا المتحف المصري؟ قعدتوا ف جنينته تاكلوا سندوتشات من فلفلة و تقروا كتاب؟ رحتوا الكوربة؟ حديقو الازهر؟ الحسين و خان الخليلي؟ الفضة هناك تطير العقل... انا نفسي اجيب شبكتي فضة، بس اهلي بيقولوا عليا مجنونة،ههههه. رحتوا كوستا و سي لانترو. الديوان و دار الشروق؟ القاهرة مليانة، بس مجنونة، و انا باعشق جنونها... كل مكان فيه و فيه، تبهججوا :)

غير معرف يقول...

يا كسوفي ؛؛؛ يالهوي ؛؛؛كل الناس دي هيكون ليا الشرف بمعرفتهم !!؟؟
ده أنا الست الوالده دعيالي والله و يظهر باب السما كان مفتوح...
أي حاجة منك سائع ،سخن مش هكسفك .ويا رب أكون جديرة بصداقتكم الغالية دي ،أنا إتشرفت في البداية بتسنيم وبعدين بيك وبعدين بإنجي مع حفظ الألقاب طبعا، فوق راسي كلكم .وإن شاءالله الأيام الجاية هتعرف علي باقي الرفاق :(إيزولد /مايكل /تشي/ نور /أحمد /أحمد شكل /عطش الصبار / زهرة ربيعية / آيه إللي بتيجي هنا /ANGEL)فتقبلوا مروري ؛؛؛؛
آه. نسيت أقولك إني عملتلك دعاية عند صاحبة مدونة "زوجة جدا"؛ أصلها تبقي خالتشي وآنتيمتي كمان!!! ويا ريت تزورها مش هتندم آي بروميس يو دوك.وسلاموا عليكوا###

غير معرف يقول...

اه طبعا سلملي علي الحد الي اعرفه كتير
اكيد القاهره منوره علي الآخر عشان الحد ده عندكوا و هتضلم حبه اما يمشي الحد ده عشان اهلها فيها (بكاشه انا ) :))
وسلامي لحضرتك طبعا
angel

عمرو يقول...

لا يا زهرة بانزل طبعا.. ولي حكايات وحواديت مع أطفال الشوارع في سوهاج. بس الوضع هنا في القاهرة أسوأ بكتيير.
:)

عمرو يقول...

إيزولد
أنتي كسفتيني خالص من نفسي. حسستيني إني لاتقوقز عن رغبة في القوقزة. بس على فكرة انتي عشان مش ساكنة في القاهرة. لو سكنتي هنا وكل يوم روحتي وجيتي في رحلة عذاب في المواصلات كنتي فهمتي.
انتي بتتكلمي عن القاهرة بنمطق السياح مش بمنطق أهل البلد اللي الجري ورا لقمة العيش مخليهم مش عارفين يشوفوا الحلو اللي فيها
تعرفي بعد الكلمتين دول خلا مش حاسس نفسي مكسوف ههه
:)

عمرو يقول...

أهلا يا ديدي
أنا زرتها على فكرة وفعلا ما ندمتش. هي مش بتكتب قصة؟ لو ممكن أسرق منها شوية أفكار, وممكن أرجعهم لها تاني بعد أما أشتهر
:)

عمرو يقول...

أهلا يا angel
السلام وصل
:)
:)
:)

أحمد الشمسي يقول...

والله يا أخي كنت عايز أقول كلام كتير لقيت إيزولد قالت معظمه... بقيت مش عارف اعلق اقول ايه؟

انت مش شايف غير النكد، وده مش منطق السياح ولا حاجة... على فكرة القاهرة زي اي مدينة في العالم لا هي حلوة زيادة ولا وحشة زيادة... بمعنى ان اي مدينة كبرى زي نيويورك هتشوف فيها الزخم الثقافي اللي بتقول عليه ايزولد وهتلاقي الناس اللي نايمة في الشارع برضه...

انت مشكلتك انك بتقارن القاهرة ببلادنا الطرفية (عكس المركزية بيقولوا عليها هنا الأقاليم) النايمة اللي ما فيهاش بؤس... ومافيهاش حاجة خالص.

Isolde يقول...

نعم نعم نعم!!! مش ساكنة فيها؟! انا عشت فيها سنة طويلة عريضة، انت نفسك لسة ما كملتهاش هناك، و كنت بآخد ف المواصلات ساعة كاملة رايح و زيها جاي من و الي الجامعة، ايام التمهيدي، و اللي انا كتبتلك عنه ده ما كانش سياحة، ده كان نتيجة المرات اللي عرفت اشم فيها نفسي هناك و اخرج فيها من زحمة و قرف القاهرة و اعيييييش، قال ما سكنتش فيها قال، اما عجايب و الله.

Isolde يقول...

آه نسيت، شكرا يا احمد، تعيش ة تقف جنبي كده ، و ربنا يعينك علي صاحبك المتقوقز ده :)

عمرو يقول...

أحمد
مش يمكن أنا بقارنها بما ينبغي أن تكون عليه الإنسانية؟

عمرو يقول...

إيزولد
أنا آسف. بس هو أنا يعني غلطت في البخاري.. ولا يعني أنا غلطت في البخاري؟ ليكون أنا غلطت في البخاري
أباي
:)