يوليو 11، 2009

الشمس تزور أبي أولاً



أبي يحب الشمس, وهي تحبه كثيراً حتى أنها طبعت على وجهه قبلات حمراء داكنة. بشوق الحبيب إلى الحبيبة تأتيه كل يوم فلا تدخل بيتنا إلا إذا زارت غرفته أولاً. في إجازتي السابقة فتحت النوافذ بعد صلاة الفجر فتداعى النور كفتاة صغيرة تشمر عن رجليها في بحر سماوي. ثم شيئاً فشيء, ظهرت الشمس يافعة قوية. بدأت كعادتها بغرفة حبيبها, لكنها لم تجده وإنما وجدت ما تبقى من أبي بعد أن سرقت ملامحه السنون والمرض.

كنت أنا بجواره أقلب جسده بين الحين والحين. أمسك كفه الذي يشبه كفي كثيراً, أخلل أصابعه بأصابعي, أنظر إليه لكنه كان يشيح بنظره إلى الجهة الأخرى. في هذا اليوم, ظل صامتاً حتى حملت حقائبي. هو يعلم أن صمته أقسى علي من أي شيء, وأنا ورثت عنه هذه القسوة. كم تمنيت لو غرس سنه في قلبي وقطع مرارة السنين التي قستني. كم تمنيت لو أمرني بالمكوث, فينتهي كل شيء وتنتهي حيرتي. لماذا لا تأمرني يا أبي, ألم أكن ابناً مطيعاً في كل ما أمرت؟

 

- أنا عاوز أتجوز دي, ومش عايز غيرها.
- سيدنا إبراهيم قال لابنه "إني أرى في المنام أني أذبحك".
- ادبح

 

نور الشمس يدفع ستائر القطار بوهن. الشمس في القاهرة مختلفة عن شمسنا في الصعيد, وشمس الصعيد كلها تختلف عن شمس بيتنا, ففي بيتنا تعرف الشمس مسارها بين الغرف مسترشدة بدعوات أمي وصلاتها المتواصلة من الفجر إلى الضحى. تتخلى الشمس عندنا عن عليائها وتنزل كي تنقي الأرز مع أمي, أو كي تبهجها في أيام الشتاء وهي تأكل البرتقال في البلكونة.

في المرة السابقة انتفض جسد أمي وأنا أحتضنها بعد عودتي من السفر. كانت كعصفور صغير ينفض عن جسده حزناً جثم عليه في ليل طويل. أو من أدراني ربما عذبها لقائي فانتفضت مثل من يعذبون بالكهرباء. أعلم أنني سأراها من خلف ستائر القطار حين يعبر أمام منزلنا منتظرة مترقبة, كطفلة صغيرة تنتظر العيد وتتمنى لو يأتي ولا يغادر مرة أخرى. أعلم أن حبلاً سرياً خفياً مازال يربطني بها, وأنني سأتألم كثيراً حين تراني وسأتألم أكثر حين أقطع هذا الحبل وأحمل حقائبي مغادراً. ستضع هي رأسها على يدها وتدعو أن يؤلف الله بيني وبين أبي كي تستريح. وسيتردد دعاؤها في أذني وتنقلب دموعها ناراً أفر منها بسرعة القطار, ثم لا أجد مهرباً في الغربة فأعود بنفس السرعة.

أضع ستارة نافذة القطار فوق رأسي وأنظر إلى المدى بينما أجفف دموعا سالت رغماً عني. تتحرك قدمي بعصبية لا أتحكم فيها. يقطع تفكيري الكمساري وهو ينظر إلى التذكرة ثم رنين جرس الهاتف, ورسالة أقرأ كلماتها:

في الأيام دي كان المفروض أحضر لعيد ميلادك. أنا مش مسامحاك.

لماذا علي أن أحمل كل هذا الألم, هي تعلم أن هذه الكلمات لن تعيد ما فات, فلماذا ترسلها إلي؟ يتقدم القطار ويعود بي عشر سنوات إلى الخلف, أراها وهي تبتسم وأراني وأنا أضحك, أقرأ كلمات عن حب سيدوم إلى الأبد, كتبتها بيدي في صفحة من مرتفعات وذارنج, صفحة بللها دمع هيثكليف بينما كانت حبيبته كاثرين تفارق الحياة..


لكنك أنتِ بكل ما تمتلكين من قسوة فعلتيها.

 

نعم أنا فعلتها وبكل ما لدي من قسوة. أغوص في الكرسي وأتمنى لو أتحول لتراب. أدب بقدمي على الأرض. متى يصل القطار فأتخلص من هذا الاحتجاز وهذا الحصار وكل هذا الألم؟ أضع رأسي تحت ستارة النافذة مرة أخرى, وأمسح دموعي. أضرب برأسي على الزجاج, هي تعلم كيف تؤلمني وأنا أتمنى لو أعرف كيف أريحها. أتمنى لو أشطر نفسي وأعطيها نصفاً مني لكنني ملك لأبي, ذلك العجوز الصامت الذي يرفض أن ينظر في وجهي.

لماذا لا تنظر في وجهي يا أبي؟ لطالما بحثت عن رضاك لكنك لا ترضى. أحتاج عمراً فوق عمري كي أفهمك. أتعلم؟ أنت مثل حبيبتك, تبدأ هادئة في أول اليوم, ثم تثور في منتصفه دون مبرر فتفلق أدمغة العباد بنارها وتميتهم عطشاً, ثم ما تلبث أن تداري وجهها خلف الجبل كطفل صغير كان يلهو ويعبث فلما حطم الأشياء تدارى كأنه لم يفعل أي شيء.

لكن غروبك مختلف عن غروبها. فهذا الذي يتقلب على فراشك لا يشبهك, ولا تعرفه الشمس حين تزورنا. أتذكر ذلك اليوم الذي صممت أن تذهب فيه معي لمكتب التجنيد, حين وقفت في الصف وقلت لي أن أجلس وأستريح, أتذكر كيف اندهش الناس وأخبروك أن علي أن أعتمد على نفسي, أرى ذلك كما لو أنه يحدث اليوم, أتذكر كم كان وجهك مشرقاً, فالجيش عندك هو الحرب والحرب تعني الموت أو حياة ميتة, أسترجع فرحتك وأنت تمسك شهادة الإعفاء المؤقتة:

القرار: معف مؤقت من الخدمة العسكرية والوطنية كونه الابن الوحيد لأبيه الحي.

الابن الوحيد.. كم تمنيت لو كان لي أخاً يحمل معي جزءاً من همي ويقتسم معي قسوتي. أتمنى لو كان لي أخاً كلما رفضت أن توصلني إلى المحطة فلا أجد نفسي بحقائب كثيرة ويدان فقط. لماذا تخلفني وحيداً يا أبي أم أن هذا شكل آخر من أشكال قسوتك؟

أدفع حساب التاكسي, وأنزل حقائبي, ثم أقف أمام الباب والشمس تميل إلى الغروب. أعرف أن فتح هذا الباب سيجلب الكثير من الألم وأن غلقه سيجلب ألماً أكبر. يتكتل الهم على صدري وتعلن رئتاي العصيان, فيصبح نفسي ثقيلاً مختنقاً. أدير المفتاح, وقد بدأ الظلام يخفي معالم المكان. أدفع الباب فأجد الشمس تغمر بيتنا كأنه الصباح وتهب نحوي نسمات من ضحك, أدخل فأرى أبي مبتسماً بوجه مشرق وصحة جيدة يتناول الإفطار مع أمي وشخص آخر يشبهني.

هناك 25 تعليقًا:

عطش الصبار يقول...

ياااااااااااااااااااااااااه يا استاذ عمروابكيتنى وذكرتنى بذالك الوجه الذى سكنت ملامحه القسوه وعذبتنى لسنوات الى ان عرفت انها قناع يخفىبه ذالك القلب الطيب فهو ايضا (صعيدى)
وعندما رحل عن عالمناسكنت الزكريات قلبى لاتبارحه حتى الان استعيد تفاصيل المواقف التى لم ارى فيها ساعتها سوى القسوه ادرك الان انها كانت الحنان الذى لم يفصح ابدا وحتى رحيله عنه
تمنيت لو عاد بى الزمن لاقول له انى اعرف ما سكن قلبك ولكن
اقول لك لاتنتظر ان يقول لك انتظر فلن ينطق بها ابدا يريدك ان تفعل دون طلب منه انها وصدقنى ليست استغناء ولكنه الاباء(بكسر الباء)لن يقولها افعل انت فالاب يتوقع ان تعرف انه يحبك وانك تعترف بهذا الحب قبل فوات الاوان ستظل معذبا مثلى بتلك الكلمه التى لم اقولها
هو اعترف لك دون ان يقولها يوم ذهب معك الجيش اعترف من خلال فرحته برجوعك معه لاتتمنى ما لن يحدث لن يحمل عنك اخيك نصف همومك ستسقط الهموم تلقائيا عندما تفصح وتدخ ضياء الشمس الى قلبك نورها سيمسح ذاللك الادعاء بالقسوه
لااحد منكم بقلبه قسوه ولكنه الكبرياء
مره اخرى ابكانى كل حرف فى البوست
تقبل تحياتى

عطش الصبار يقول...

مبروك الاصدار الاول(كوابس الفتى الطائر)
بالامس كنت اتحدث مع احد الاصدقاء عن انبهارى بلاقلام الشابه والتى اعطاها النت الفرصه كى تبهرنا بكتاباتها والتى تحررنا من خلالها من الاقلام التى فرضت علينا لسنوات والحقيقه اسلوبك رائع ومبهر ولابد لى من زياره مدونتك كل يوم انت وبعض الاقلام الجميله والمدونات التى حررتنا من ربق العبوديه الفكريه لسنوات
بالتوفيق
وفى انتظار المزيد

جارة القمر يقول...

شضاجمل حاجه انى بحس انك بتكتب باحساسك
مش مجرد كلام مرصوص جنب بعضه و خلاص
كلام حساس جدا و انت عارف توصله بسهولة بجد و كمان تعيشنى الحالة

يارب فى تقدم دايما

كبييير وفاهم صدقنى يقول...

كنت حابب اشوفك فى البوست ده كويس هو انا سببت لك كل الضيق ده؟طيب مش تزعل بس انا بصراحة دايما مش بيهمنى انت بتكتب ايه المهم انا عايز اقولك ايه..لكن بعد ما انك طردتنى من المدونة انا هقولك بصراحة انا مش بحب مود الحزن خالص وحرمت ازور المكان ده تانى ..الحق نفسى واروح ازور الشلة والف سلامة عليك باى وسمايلى كمان

غير معرف يقول...

دي مش أول مرة أدخل مدونتك ، بدخل من مدة كبيرة شوية، بس مترددة من فترة اني اعلق ..

انت إنسان جميل جدا ، و رقيق اوي ، و حساس إلى أبعد مدى ..

يا بخت كل القريبن منك بيك يا عمرو ..
تسمحلي اقول يا عمرو ؟؟ و لا أخليها أستاذ عمرو ؟؟

(نون)

عطش الصبار يقول...

انت فين ياا ستاذ عمرو
تاثير رحله سوهاج يبدو انه ترك شىء ما تمنياتى لك براحه البال

عمرو يقول...

أهلا عطش الصبار
أنا متشكر قوي على كل الاهتمام ده. أنا آسف إني بكيتك بس أنا كمان بكيت كتير وأنا باكتب القصة دي. أما بقى عن كوابيس الفتى الطائر فدي مجموعة يعاد الآن طبعها مع دار ملامح وهي مشتركة مع أحمد الشمسي صاحب مدونة وهج. أنا حالياً في القاهرة مرة أخرى, لكن المطحنة تشدني إليها.. مطحنة العمل والحياة المادية
ادعي لي وأنت في الطائرة أن يهديني الله.. دعوة المسافر مستجابة, وأنا سأدعو لك بالسلامة
:)

عمرو يقول...

أهلا جارة القمر
أشكر ده أقل حاجة عندي على فكرة (ههههه)
وشكراً خالص على الدعاء. ربنا يعلم إني محتاج قوي لمثل هذه الدعوات
:)
سلميلي على جارك

عمرو يقول...

كبير وفاهم مش مصدقك
لا أنا مش باطردك طبعا. تقدر تقرا في أي وقت بس ما تدعيش إنك فاهم
؛)

عمرو يقول...

كبير وفاهم مش مصدقك
لا أنا مش باطردك طبعا. تقدر تقرا في أي وقت بس ما تدعيش إنك فاهم
؛)

عمرو يقول...

(نووووووووون)
أهلا بيكي.. ليه يا بنتي بتقري ومش بتعلقي؟ ده أنا أسعدني جدا تعليقك على فكرة.
مش عارف ليه حاسس إني أعرفك.
انتي أخجلتي تواضعي والله (وتواضعي ده مش موجود أساساً ههه)
قولي يا عمرو طبعاً، إحنا هنا على الفضاء السايبري الإليكتروني حيث لا مجال للألقاب
:)

تــسنيـم يقول...

أنت مثل حبيبتك, تبدأ هادئة في أول اليوم, ثم تثور في منتصفه دون مبرر فتفلق أدمغة العباد بنارها وتميتهم عطشاً, ثم ما تلبث أن تداري وجهها خلف الجبل كطفل صغير كان يلهو ويعبث فلما حطم الأشياء تدارى كأنه لم يفعل أي شيء
_____________

التشبيه في المقطع ده و لا أروع

بس بجد حرام عليك.. أنا مش هاجي تاني غير لما تكتب حاجة ناعمة هادية مفيهاش قوقزة ولا حذلقة و كمان تيجي تصفر عليا من المنور


قولتلك يا عمرو قبل كده.. رفقا بالقوارير :\

عمرو يقول...

تسنيم
انتي بتتكلمي جد ولا إيه؟
طيب مش تزعلي أنا هاكتب بوست أوريجينال خالص وهاهديهولك كمان يا ستي
:)

غير معرف يقول...

طيب يا عمرو ..
:)
هعلق من هنا و رايح ، فرحت بتعليقي فعلا ؟؟

على فكرة ... انت متعرفنيش .. أيها الرقيق المبدع ;)

غير معرف يقول...

نسيت اقول اني
( نون )

:)

عمرو يقول...

نون
طبعا طبعا يا بنتي أنا من زمان باقول على نفسي رقيق ومبدع.. هههه
الكلام ده هايخليني أتغر.. أهلا بيكي يا نون
:)

غير معرف يقول...

ايه يا عمرو بقى ؟؟؟ بعدين معاك ؟؟

بدخل المدونة عشرتاااااشر مرة ف اليوم .... اكتب جديد .. اكتب .. اكتب .. اكتب .. اكتب ..

اكتب عشان خاطر (نون) طيب .

و اتغر يا عمرو ...اتغر ;)

هاجي كمان شوية .. الاقي جديد بقى
ممكن ؟

(نون)

عمرو يقول...

أنا في الشغل حالياً يا نون
بس عموماً أنا ممكن أكتب حاجة كده بعد العصر
أنا اتغريت خلاص
:)

غير معرف يقول...

(نون) زعلانة .
:(

عطش الصبار يقول...

اااااااه ظبطك
تنتهز فرصه سفرى وما تعديش على مدونتى تطمن عليها كام بوست ولا تعليق الواجب بقى كتير
عموما انا لسه ما سافرتش
بحسب كدا كل شويه تدخل وتتطمن على المدونه لكن

Isolde يقول...

القصة دي حلوة ;)

بس من النوع اللي بيقولوا عليه: bittersweet

استمر،استمر.... و انا هاشوفلك دكتور كويس يعالجلك الغرور ده D:

عمرو يقول...

نون مش تزعلي
والله ما كانش عندي نت وتاني يوم سافرت بورسعيد.. أنا آسف
:)

عمرو يقول...

عطش الصبار
أنا كنت نسافر.. أنا آسف
:)

عمرو يقول...

إيزولد
القصة دي عملاقة, ورهيبة وأنا مبدع كبير
heh
بس
ياللا سلام
:)

زهره ربيعيه يقول...

وكانك قد جندت نفسك لتنكأعذاباتى التى احاول الهروب منها فوق السطور..لتعيد لى انت كل اماضى بزخمه..والمه واوجاعه التى سكنت فى الامس..وتعيد لى وجهه الحانى القاسى..قبل ان يرحل دون ان اودعه..
ما اروع ان يعيشك شخص اخر..وعلى سطورك علمت انك عشتنى