مايو 09، 2009

عن التعليم وكل هذا الهراء

stupid_man_by_noyereve

أضعت من عمري ما يقرب من أربع سنوات محاولاً التكيف مع مهنة التعليم. درست خلال هذه السنوات للمراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية, في المدارس العامة والخاصة, بينين وفتيات, وأنشأت مشروعاً تعليميا صغيراً, وبدأت أدرس بعدها دورات خاصة لطلبة الجامعة في موادهم الجامعية, ثم انتقلت لإعطاء الدورات التعليمية في مراكز التدريب المرموقة, وتعاملت مع عدد لا بأس به من الهيئات العاملة في مجال التعليم. بالإضافة إلى ذلك فأنا لم أكتف بالدراسة الضعيفة التي أعطتها لنا الجامعة فقرأت كثيراً في مجال التعليم ودرست الدبلوم الخاص في التربية ثم تقدمت للحصول على درجة الماجستير في طرق تدريس اللغة الإنجليزية. سافرت كثيراً في السنة الأخيرة إما لإعطاء الدورات أو لتلقي المحاضرات. ويا ليتني ما سافرت.

التدريس للمرحلة الابتدائية هو أصعب درجات التربية على الإطلاق. فأنت تبدأ من اللاشيء, والطفل كثير الحركة, كثير الكلام, كثير الأسئلة يود لو يعرف كل ما حوله في العالم بين يوم وليلة. أضف إلى ذلك أنها مرحلة اكتشاف الكثير من صعوبات التعلم, والكثير من الإعاقات التي قد تخفى على الوالدين. كنت أقف في الفصل عندما قام أدهم وتف تجاهي وصرخ. أي مدرس في موقفي قد يحاول الثأر لنفسه ولكرامته. لكنني اقتربت منه ونظرت في عينه مباشرة فتحول إلى حالة من الوداعة جلس بعدها ولم أسمع صوته. حين جاءت والدته جلست معها وحدنا وقلت لها أن ابنها غير طبيعي وانه يحتاج إلى كشف طبي. قالت إنها بالفعل مريض وأن الأساتذة يضربونه!! الحمار قد لا يضرب كما كان يضرب أدهم مع العلم أن هذه كانت مدرسة خاصة متخصصة في تخريج أوائل الجمهورية. الطالب في هذه المرحلة كثير النشاط يحتاج إلى أساليب من التربية لا يتقنها الكثيرون ومنها على سبيل المثال طريقة Total Physical Response التي تمتص نشاطه فيتعلم بدلاً من أن يتحول لآداة لإهانة المعلم.Untitled-1

أدهم كان حالة فردية لكنه رمز على العديد من التعديات التي تحدث في مدارسنا. أنا أفكر جديا في تعليم أولادي بنفسي وأن ألحقهم بنظام المنازل لا بالدراسة النظامية التي تتطلب التواجد في المدرسة. أحبني طلبتي في الإبتدائي رغم أني أعترف بأنني فشلت في الوصول إليهم وكان لي العديد من الأخطاء الفادحة. بعضهم اتصل بي حتى بعد سنوات من الدراسة كي يطمئن على "الميستر", هكذا كانوا ينادونني.

الصعوبات في المرحلة الإعدادية تتعلق ببداية فترة المراهقة, ودخول المراهق في ندية مع معلمه. فقد انكشف الملعوب وعلم الطالب أن معلمه مثل كل البشر لا يعلم كل شيء, وأنه ليس بالهيبة التي كان يعتقدها. أما في المرحلة الثانوية فإن هذه الصعوبات تتفاقم.

التعامل مع الفتيات أصعب من التعامل مع البنين بالنسبة لذكر المعلم. والذكور من المعلمين هم نوع من الحيوانات يمتطيها الجميع في المدرسة بداية من الطالب/الطالبة والمدير والموجه والموجه العام والإداريين إلى أجعص أولياء الأمور. هؤلاء جميعا يتدخلون في عمل المعلم ويسهمون بلا شك في فشله.

المدارس الخاصة أقل سوءا من المدارس العامة. لكن بها الكثير من التعديات. أسوأ ما في المدرسة الخاصة أن أقذر طلبتها سلوكاً أحسن من أكبر معلميها علماً وأخلاقاً, لأن الطالب هو الذي يدفع. والمعلم لا يتقاضى أجراً إنسانياً في العادة (بعض المدارس الخاصة تعطي المعلم 120 جنيهاً شهرياً) فيتتجه المعلم للدروس الخصوصية.

والدروس الخصوصية هي الشكل الوحيد الناجح من التعليم في البلد رغم عدم موافقتي عليها. جربت تجربة الدروس الخصوصية فوجدتها تنزع عن المعلم إنسانيته فتحوله إلى ثور في ساقية, كما أنها تفسد العلاقة بينه وبين الطالب لأن المدرس يمد يده في آخر الحصة والطالب يدفع, بل ويمكن للطالب تغيير المدرس وطرده وتزيينه ببعض الزيول ورمي حلة الملوخية عليه وقلة من خلفه. والأباء يتعاملون مع الدروس الخصوصية كوسيلة لأحد أمرين. بعض الأباء يستقدم معلماً كي يعلم ابنه, والبعض يستقدمه كي يرشوه فيعطي للولد إجابة الامتحان. وده طبعا ما يبقاش غش.

توسل إلي الحاج مصطفى الذي يعمل معلما في مدرسة للخطوط, وهو معلم بالنهار وتاجر بالليل تجاوزت تجارته الملايين وأصبح لديه برجاً كبيراً على النيل مباشرة. توسل إلي أن أعطي لأولاده درساً. لما رحت وجدت الوضع غريباً. الأطفال محطمون نفسياً ولديهم صعوبات تعلم كبيرة والأب والأم في واد آخر بعيد. بعد حرب ضروس لمكافحة غباء الأسرة بالكامل قررت ألا أكمل في معركة خاسرة, لكن الرجل حلف وكان سيرمي نفسه من السيارة حين قلت له إنني لن أكمل. أكملت محاولة مني في التخفيف من المشكلات لا محوها. وعندما قررت أن أنقل نفسي إلى مدرسة أخرى, أرسل لي حساب الشهر (ناقص أربعين جنيه على فكرة) مع أحد الزملاء وقال له "أستاذ عمرو ما عندوش ضمير". كانت الامتحانات على الأبواب والراجل عايز يروح يشتري ذكر أو أنثى معلم من النوع الذي يعطي الإجابة في الامتحان.

التعامل مع أولياء الأمور أصعب من التعامل مع الطالب لأن كل منهم يرى تربية ابنه بشكل مختلف. وهم لا يؤمنون برؤية المعلم أو أن للمعلم رؤية من الأساس. ذات مرة دخلت في مشكلة كبيرة مع واحد من أولياء الأمور (ويعمل قاضياً) لأنني كنت أرى مستقبل ابنه بشكل مختلف.

التعليم في أي بلد من البلدان يرتبط بالبحث العلمي. ويقوم على البحث ثم التجريب على عينة صغيرة ممثلة, ثم التقييم, ثم التجريب على عينة أوسع ثم التقييم ثم التعميم. لكن في بلادنا التعليم بقرارات. نحن نتمسك بالشعارت فقط. مثل شعار التعلم النشط الذي عمم على المدارس الابتدائية دون وجود تجهيزات فلم يؤد إلا لتضييع الوقت وإهدار الموارد ولوي عنق الطالب (وأنا أقصد ذلك حرفياً حيث يوزع الطلبة على أربع مجموعات متقابلة ولا يستطيع أغلبهم النظر إلى السبورة حين يبدأ الدرس إلا إذا لوى عنقه!!)

جميع قراراتنا التعليمية لا تبنى على التجريب والتقييم. كلها تعميمات عشوائية عنت لأصحابها وهم على السرير مع زوجاتهم.

- تعرفي يا أم أحمد أنا بكرة هافتكس إفتكاسة تعليمية تودي التعليم لفوق.

- ربنا يخليك لينا يا خويا ويخليك للبلد. بس ما تنساش تجيبلنا دكرين مدرسين عشان العيال يلعبوا بيهم, أو دكر ونتاية.

ثم تكون النتيجة المزيد من المعاناة للطالب, والمزيد من التدهور للوطن.

آآآآه يا وطن

لنأخذ مثلا قضية التغذية في المدارس. توزع التغذية على أغلب بقاع الجمهورية في المناطق, الراقية منها والمعدومة مما يؤدي إلى تقلص حجم هذه الوجبة (هانجيب منين للوحوش دي كلها) وبالتالي تأتي هزيلة لا تنفع أحداً. كان من الأفضل تحديد الأماكن الأكثر فقراً وتوجيه الوجبة المدرسية لها. الطلبة في المناطق الراقية يضربون بعضهم بالبيض ويرشقون المدرسين بالمربى. وأغلب التغذية يأخذها العمال والمدرسون.

إذا ما تحدثنا عن الجامعة, فلن ننهي هذه التدوينة. الطلبة في الجامعة يجعلونني أشعر بحزن شديد. هم بين نيران كثيرة. فلم يتم إعدادهم بشكل جيد, ويطلب منهم ما فوق قدراتهم, untitled ويستغلون أسوأ استغلال مادي من أعضاء هيئة التدريس كي يشترون المذكرات التي لا أعرف من اخترعها. الطلبة في الجامعة يحبطون فيتوجهون إلى ما ينسيهم ويكون هذا من خلال المخدرات أو العلاقات العاطفية أو الجنسية غير السوية.

التعليم في مراكز التدريب الخاصة سيء أيضاً. إذ أن المهم أن يتكيف الزبون ويطلع مبسوط. من غير المهم على الإطلاق أن يتعلم. المهم أن ترتسم على وجهه ابتسامة في نهاية الدورة ويأخذ الشهادة التي عليها ختم المؤسسة العملاقة وربما يخرج والختم على عنقه وأجزاء أخرى من جسده.

منذ أعوام قرأت مقالاً عن الآثار السلبية للتعليم. ساعتها اندهشت وسألت نفسي: "هو التعليم ليه آثار سلبية؟" لكن بعد قراءاتي وبعد ما شفت في بلدي عرفت أن التعليم كله آثار سلبية وأننا لا نرى جانبه الإيجابي.

أحبني طلبتي –أو هكذا بدا لي- فهم يتصلون بي كي يشكرونني حتى هذه الأيام. لكنني استقلت من المدرسة التي كنت أعمل بها, وتركت الماجستير, وخفضت نسبتي في المركز التعليمي الذي أقمته لأن التعليم يحتاج إلى نبي ينكر ذاته ومطالبه.

أعترف بأنني أتوق لتلك اللحظة التي كانوا يقدرونني فيها, أو حين يقررون أن يشتروا لي هدية أو يقيموا لي حفلاً. أعترف أن لهذا المهنة بعض العوائد النفسية. لكن نفقاتها (النفسية أيضاً) أكثر بكثير.

التدوينة طالت مني. احتمال يكون لها جزء آخر.

هناك 10 تعليقات:

عمرو يقول...

يبدو إن التعليم سوقه واقع حتى في التعليقات.

دمت مبدعاً يا عمرو
:)

آية مش هنا يقول...

التعامل مع الأطفال بشكل عام .. و تحمل مسئوليتهم جرأة أحييك عليها و تجربة التدريس أغبطك على قرار الخوض بها ، رغم أني أزعم كثيرا أني أحب المسئوليات الأكبر و التحديات ، إلا أنني مع عشقي أيضا للتعليم و يقني في أهميته ..عزفت مبكرا جدا بشكل حاسم و باتر و نهائي عن تحمل هذه المسئولية ..و قررت أن أبحث لنفسي عن مجال آخر للعمل يبعدني عن عملية التربية ، و عن الأطفال أيضا ، حتى لو اقتضى هذا مني صرف مزييييد من السنوات كما يحدث لي الآن تماما.

أكتشف أمام ما كتبت أني ضعيفة بالفعل امام هذه المسئولية .. حتى لو تمنيتها أو رأيت في نفسي كفء لها .

و أنت تحكي عن أدهم تذكرت عندما كنت أنا في تالتة ابتدائي - كنت من الشطار و طالعة التانية ع المحافظة - كان أستاذي بيشوف ان خطي نبش فراخ ، و ظل أكثر من شهر ، اول ما يدخل الفصل يشاورلي اقف ع الحيطة و ارفع ايدي بشنطتي و فيها كتبي ، لآخر الحصة ، و يا ويييييلي لو حصتين ورا بعض بقى.. يبقى مش هقعد .. :(
تفتكر من تجربتك .. خطي اتحسن ؟؟
زي ما يكون كنت بكتب بخط وحش عشان اعذبه يعني .. الله يسامحه بقى .

فكرت مثلك في فكرة التعليم من المنازل.. بس يبقى للمدرسة دورها بعيدا عن التعيلم في التربية الاجتماعية ، و أخذ مناعة مبكرة و جرعة حقيقة من أمراض المجتمع ...عشان ميطلعوش يتصدموا لما يضطروا يخرجوا بره المنازل ..

هو جيلنا هيربي ولاده ازاي ؟
دي حاجة تخوف اوي

آية مش هنا يقول...

ملحوظة تاني :
مش كل مرة تتأخر في الرد على عمرو كده .. انت اد زعله يعني ؟؟
و شكلك بتدفعله على فكرة ومثبته .. كل مرة مبدع مبدع ..في ايه ؟

:)

عمرو يقول...

أهلا آية
مهنة التعليم مهنة من لا مهنة له. الجميع بيفتوا فيها. المشكلة إن المعلم في الأغلب قليل الثقافة, قليل الطموح, معدوم الموهبة والقدرات. زي ما بتقول واحدة كاتبة a living dead. طبعا ده لا ينطبق على الجميع.
منه لله الأستاذ اللي كان بيوقفك في الفصل. إحنا كان عندنا مدرسة اسمها كوثر كانت بتجيب خرطوم الحوش عشان تضربنا بيه. وفي مرة تسلقت النخلة عشان تجيب أكبر جريدة وأطول واحدة عشان توصل للي ورا. تخيلي مدرسة ماسكة خرطوم عشرين متر وعاملة زي الكاوبوي وهي بتصطاد الطالب.
:)

تــسنيـم يقول...

التعليم ليست مهنة من لا مهنة لــه بل يكفيها شرفا أنها مهنة الأنبياء والرســل



أرفض رفض قاطع أن أعمل بالتدريس بالرغم من توافر الفرص ولكن لأني يصعب علي التعامل مع من تم تنشئتهم بصورة خاطئة من البداية .. وعلى الرغم من ذلك يرى البعض أني نجحت فيه حين اضطرت إلى ممارسته بصورة ودية مع بنت خالتي الصغيرة التي أعيتها الدروس الخصوصة وأعيتني هي :)



التعليم رســالة لذا في عالم كهذا يصعب أن نترك المادة والسرعة وضياع المبادئ لنتمسك به... أحيانا ألوم المدرسين وأحيانا أُشفق عليهم في مجتمع استشرى فيه الفساد لا يجب أن نلوم أحــد

عمرو يقول...

أهلا تسنيم..
يا بنتي هو فيه حد قال مش مهنة الأنبياء. بس حالياً كل الناس بتفتي وفيه ناس بتبدع أديلن جديدة. انت مش عايشة معانا ولا إيه؟ وبعدين هي فعلاً مهنة من لا مهنة له. لأن أي حد ممكن يبقى مدرس أي حاجة..
بس

nor يقول...

بيقولوا لا يكرم نبي من قومه

عمرو يقول...

يعني إيه يا حكيم؟
أخبارك يا نور.. كلامك صح. بس أنا مش نبي
:)

أحمد الشمسي يقول...

يعني اشمعنى التعليم هو اللي هيفضل واقف وكل حاجة حواليه واقعة؟!
يا عم قول يا باسط تلاقيها هاصت!

عمرو يقول...

دي باظت يا أحمد خلاص