فبراير 23، 2010

لم أعرف أن الطواويس تطير

يعود بهاء طاهر إلى فن القصة القصيرة بعد أحد عشر عاماً من صدور آخر مجموعاته. والحقيقة أن عودة بهاء طاهر من خلال مجموعته القصصية " لم أعرف أن الطواويس تطير" تثير الكثير من الأفكار في رأس القارئ والناقد على حد سواء, وهنا سنحاول أن نعرض بعض الملاحظات والأفكار التي قد تعن لأي منهما.

من المؤكد أن بهاء كان يعلم أن أفضل قصتين في المجموعة هما "انت اسمك إيه؟" و"الجارة" فبدأ المجموعة بالأولى وأنهاها بالثانية, ووضع بينهما أربع قصص أخرى أقل منهما في الكثير من المناحي (من وجهة نظري). وحين نقول أن الأربع قصص أقل في المستوى فينبغي هنا أن نشير إلى أننا نتحدث عن بهاء طاهر وبالتالي فنحن لا نتحدث عن قصص ضعيفة المستوى ولكن عن قصص أقل إبهاراً من غيرها.

تتعامل أربع قصص في المجموعة مع فكرة التقدم في العمر التي لابد تمثل الكثير من القلق للكاتب نفسه. هذه القصص هي "انت اسمك إيه؟", و"لم أعرف أن الطواويس تطير", و"قطط لا تصلح", و"الجارة". في "لم أعرف أن الطواويس تطير" و"قطط لا تصلح" استخدم الكاتب المعادل الموضوعي للتعبير عما يدور بنفس الشخصية المحورية. بمعنى أنه استخدم الطواويس في القصة الأولى والقطط في القصة الثانية للتعبير عن الدور المتقلص الذي يلعبه كبير السن واستعداده للتهميش وقرب أجله إلى غير هذا. إنها متلازمة كبر السن التي يبدو أنها تسيطر على عقل ووجدان الكاتب. في القصة الأولى يطير طاووس إلى فرع شجرة مرتفع, والطواويس لا تطير بشكل جيد بطبيعتها, فهي أقرب للدجاج الرومي الذي يحب التواجد على ارتفاعات متوسطة يسهل عليه قفزها معتمدا على ريشه في تقليل وقع اصطدامه بالأرض. لكن الطاووس الذي يشرح للقارئ ما يدور بنفس الشخصية المحورية يستسلم بعد طيرانه ليد الإطفائي الذي ألقى عليه شبكة كي ينقذه من تهوره في هذه السن الكبيرة.

في قصة القطط نجد نفس السيناريو مع اختلاف المعادل الموضوعي ومع اختلاف في بعض التفاصيل الجانبية, فكبير السن هنا مثل القطط التي كانت سيدة موسرة تربيها بعد أن تجعلها عقيمة. تميل القصتان إلى استخدام عبارات مباشرة في بعض الأحيان تأتي على لسان الراوي البطل مما يجعلنا لا نستطيع أن نعدها عيباً في حد ذاتها.

الإبهار كله مركز في "انت اسمك إيه؟" حيث التركيز على كيفية رؤية الطفل الصغير للجد الذي تقدم به العمر. الحفيد الذي يهوى تقطيع أغلفة كتب الأدب الروسي يحاول استكشاف ما حوله من أشياء ويحاول التعرف على الشخصيات أيضاً. هو يكسر أي شيء في يده إذا ما قال له أحد الكبار "كخ" ويبتلع أي شيء يجده في طريقه من مساحيق أو صابون أو ورق. تتركز صورة الجد في عبارة تأتي على لسانه بعد أن أراد الحفيد منه أن يفسحه في سيارة وبعد أن سأله عن اسمه فرد بأنه جلال, والحفيد في الواقع لم يجد أي معنى للكلمة في قاموسه الصغير. يقول الجد: "لأنه في الحقيقة يتساءل: ما هذا الجد الذي لا يعرف سوى كلمة كخ وليست عنده عبية (عربية) للفسحة فضلاً عن أنه ليس له أي اسم مقنع".

قصة الجارة أيضاً قصة رائعة, ربما لأنها تشترك مع قصة "انت اسمك إيه؟" في الجانب الإنساني المرهف. تحكي القصة عن سيدة عجوز ترفض الذهاب للمستشفى أو دور المسنين بعد وفاة زوجها لأن الأخير أوصاها بأن تعيش ألف عام. هي تريد أن تعيش سعيدة فهي تعلم أن اليوم السعيد بألف عام كما أنها تعلم أنها لن ترى أياماً سعيدة في دور المسنين أو في المستشفيات لذا فهي تقرر أن تموت سعيدة على أن تعيش حزينة وهي تذكر زوجها حبيبها دائماً بالفرح بعد موته لا بالبكاء. حالة إنسانية يصعب على المجتمع فهمها لكن الكاتب أجاد رسمها. لن تملك نفسك وأنت تقرأ هذه القصة من أن تبكي على الرغم من أن بهاء وضعها في النهاية كي تكون طاقة أمل!!

بقي أن نتحدث عن قصتين أولاهما "سكان القصر" المغرقة في الاستغلاق والتي تدور في أجواء متوترة, حيث يتعمد الكاتب الإشارة إلى شخصية لم يرد ذكرها في موضع آخر بالقصة مما يجعل الأمور تختلط على القارئ في نهاية العمل.

القصة الأخرى هي "كلاب مستوردة" التي حقق فيها بهاء تميزاً على مستوى السرد. فسرد الحوار تم باستخدام بعد لغوي جديد (على الأقل بالنسبة لي). كي تدرك هذا اقرأ التالي:

......... تسخر منه؟

......... بل الواقع أنه هو الذي يسخر منها, ماذا يظنها بالظبط؟ عبيطة؟

......... العفو هو العبيط فعلا.

بهذه الطريقة يتم التعبير عن الحوار بين الشخصيتين الأساسيتين بشكل سردي رائق وجميل. وبهذا يحل بهاء مشكلة كثرة الحوار في القصة بتحويله إلى جمل قصصية أعتقد أن أحداً لم يسبقه إليها.

رغم ما أوضحناه من أوجه للقصور تظل المجموعة في مجملها جيدة, فنحن على أي حال نتحدث عن بهاء طاهر.

هناك 10 تعليقات:

Isolde يقول...

فين العصاية؟ها؟ يعني انا قاعدة هنا في المنفي، و لا سعد باشا في زمانه، و انت بتغيظني و بتقرا حاجات جديدة، و كمان لـ بيبو حبيبي... اعيط انا و لا اتقهر و لا اعمل اييييييه
:(

بس نتكلم شوية جد و امري لله، انت شكلك جامد في النقد، بس انا ما قريتش المجموعة، فمش هاعرف ارد عليك و اقول رأيي فيها دلوقتي...
:)

عمرو يقول...

أهلا أسماء
لما ترجعي إن شاء الله هاتلاقي نسخة من كل الأعمال اللي أنا اتكلمت عنها هنا في المدونة ملفوفة في ورق سلوفان :)

ponpona يقول...

هو انتوا ماعندكوش حاجة هنا تخليني مانامش :(
أنا والنيسكافة والقهوة خلاص بقينا أصحاب ومابقوش بيفوقوني :( وانا حاليا المفروض اذاكر بس عايزة أنام مع اني نايمه امبارح بدري:( أعمل ايه بقى ؟ حتي الشاي بالنعناع أثبت فشل ذريع في هذا الشأن أيضا :( :(

شوية جد بقي :
أنا ماقرأتش المجموعة دي بس اللي اقدر أقوله ان بهاء طاهر عنده قدرة غريبة علي انه يحطك جوا النص بتاعه بالذات لما بيخلي الأفراد يتكلموا عن نفسهم مش الراوي هو اللي يتكلم عنهم .. باحس انه بكده بيشيلني من زاوية المتابع للأحداث لزاوية الفاعل . حينها أنت لم تعد قارئ ينظر للأمور من أعلي ولكن ببساطة تصبح جزءا من الأحداث فلا تملك بعدها قدرة الحكم علي الأشخاص كما تفعل مع النصوص الأخري .

بهاء طاهر يعرف جيدا كيف يجعلك ساخطا ومتعاطفا ومعترضا ومتفهما أيضا لأفعال كل أفراد نصوصه ، مثلا واحة الغروب ، تقف في جانب محمود حين يحكي عن نفسه وحين يحكي عن كاثرين وتعتقد في أنها / كاثرين ليست سوي أوربية مهوسة بحياة الاسكندر الاكبر . وتقف الي جانب كاثرين حين تحكي هي وتكتشف انت أنه ليس مجرد هوس وأنه دراسة تعتمد علي الكثير وفي حين انه يقول عنها مهوسة تقول هي انه غامض ، لا يتحدث مطلقا ، كان يحبها لكنه لم يعد . والشيخ يحي الذي يقول أنه ليس من أهل الواحة ورغم ذلك لم يقو علي مغادرتها . الشيخ يحي يبدو غريب الطباع في أول الرواية وفي النهاية تكتشف أنه فقط لم يكن يريد شيئا إلا أن يعيش بهدوء وسط بشر مزعجين .

بهاء طاهر يجعلك تعرف كل شئ عن كل فرد فأنت أصبحت تعرف الآن أن كاثرين ليست مهوسه و أنها لم تأت الواحة فقط لمجرد نزهة وتعرف أيضا أن محمود ليس غامضا وأنه فعلا لازال يحبها . والشيخ يحي يعرف الكثير . كثيرا جدا . ويفكر أكثر . فقط هو قليل الكلام . ورغم سخطه علي اهل الواحة وتكراره الدائم أنه ليس منهم إلا أنه يعرف تماما أنهم أهله الوحيدين . لا يعرف جوانب كل شخص في الرواية إلا شخصين ; أنت والشخص نفسه . وأنت تعرف أكثر . أنت تعرف جوانب باقي الأشخاص في حين أن كل شخصية في الرواية لاتعرف الا نفسها ووجهات نظرها عن الآخرين والتي لاتكن صحيحة تماما . فيبقي أنت تعرف كل شئ . ولكنك الآن لاتعرف كيف تصدر حكما بسيطا علي الاشخاص ، لا تستطيع ان تقول هل محمود رجل طيب أم أنه يدعي هذا . لا تستطيع أن تعرف هل كاثرين مهوسه فعلا أم أنها علي دراية تامة بما تفعله . ولا تعرف هل الشيخ يحي هو أعقلهم أم أنه فقد عقله تماما !!

بهاء طاهر يبدأ و ينتهي وأنت لازلت في مرحلة الدهشة .

ponpona يقول...

حاجة كمان :
انت طلعت شاطر يا عمرو أنا اللي مش شاطر خالص :(
هابقي آجي تاني أقولك رأيي في القصة اللي فاتت عشان أبقي خلصت الواجب اللي عليا كله وتديني عشرة من عشرة بقي ونجمة كمان D:

أحمد الشمسي يقول...

طيب ما فيش أي حاجة للعبد لله اللي اداك الكتاب؟
يا راجل ده نات طلعتني مخصوص اجيبهولك من لبيت!

اخص عليك

ponpona يقول...

يا أحمد ماهو كتب المقال بالنيابة عنك D:

عمرو يقول...

أهلا بنبونة
فكرتيني بواحة الغروب, من أفضل الروايات اللي قريتها على الإطلاق. كلامك كله صحيح, القارئ بيجد نفسه في النهاية مش عارف ياخد قرار بس بيوصله إحساس بإن الحياة سوء تفاهم كبير.

بالنسبة للقصة التانية فممكن تخليها بعد المذاكرة
:)

عمرو يقول...

أحمد حبيب قلبي
أنا أخدت منك الكتاب؟ امتى ده؟ معاك شهود هههههه

أنا والله كنت عاوز أكتب إن التدوينة تنفيذي وإنتاجك بس نسيت
:)
على فكرة كده مش حلو عشانك ومش هاديك هدوء القتلة ههههههه

تــسنيـم يقول...

هممممممم
مش عارفة يا عمرو .. إنت لفت نظري لـ إمن اسمك إيه .. لكن ما عدا ذلك فأنا أرى الجارة الأقوى و الأبهر و الأكثر تماسكا و إنسانية :)

بعدها الطواويس يليهم قطط مضروبة

ما عدا ذلك في كلاب مستوردة و سكان القصر و إنت اسمك إيه .. فلم يكن هذا المتوقع من بهاء بعد رائعته واحة الغروب " العمل الذي يسبق الطواويس". بالعكس سبب لي صدمة

و بالرغم من أن بهاء عُرف في البداية بكاتب قصص قصيرة .. إن أنا روياته جميعا كانت علامات بعكس قصصه و مجاميعه الصغيرة التي لم يتفق عليها الكل :)

عمرو يقول...

أهلا تسنيم
معاكي في إن بهاء طاهر أكثر تميزا في الرواية عن القصة القصيرة.
انت اسمك ايه قصة رائعة اقريها تاني
:)