سبتمبر 28، 2009

على ما تفرج

المدونة -للأسف- مغلقة لغاية ما يفرجها ربنا وتحن عليا الشركة وتنزلي الباقة على أول الشهر. حسبي الله ونعم الوكيل.. اتصالات.. انزلق.

سبتمبر 26، 2009

تسجيل

اليوم وبلا أي مقدمات..

اتصل بي أبي وقال إنه راض عني.. كان يضحك من قلبه, ولا أعرف ما الذي دعاه لأن يقول هذا..

اليوم..

قرأت كلمات قالها سمير الفيل عن قصتي في موقع القصة العربية, كم أحترم هذ الرجل, وكان ما قاله على حد تعبير أحمد الشمسي كلاماً لم يقال في يحيى حقي نفسه.

اليوم..

عرفت بأنني قبلت في جامعة الإسكندرية لدراسة الماجستير.

اليوم..

قالت لي بنبونة إنني صديق “طيب”..

الليلة.. سأنام هادئاً سعيداً.

المزيد من القوقزة العلمية

mind العقل مثل الإناء ينضح بما فيه. وعقلي هذه الأيام مشغول بالكثير من التفكير عن الإخفاقات السابقة. أرجو ألا يفهم هذا على أنه ميل اكتئابي لأنه ليس كذلك, وإنما هو محاولة لفهم الأسباب التي آلت بي إلى ما أنا فيه. سؤال واحد يشغل ذهني هذه الأيام:

ما الذي ينقصك كي تكون؟ ما الذي ينقصك كي تنجح نجاحاً باهراً.. كي ترتقي؟

فكرت للحظة ثم أدركت أن الإنسان عجينة من الموارد التي تختلط ببعضها. بعض هذه الموارد وراثي, والبعض الآخر مكتسب. بعضها مادي, والبعض الآخر نفسي معنوي. سأتناول اليوم بالتأمل أحد أهم الموارد التي تساعدنا على الوصول إلى النجاح, وهي القدرة العقلية العامة أو الذكاء.

لا أرى أن قدرتي العقلية العامة قليلة, فأنا دائماً ما أحرز ما يزيد على 120 درجة في اختبارات الذكاء بينما يحرز نصف البشر في العالم 100 درجة فقط. لكن هل يحتاج المرء إلى المزيد من الذكاء كي ينجح؟ هل لو كان لدى أينشتاين هذه الدرجة كان سيصبح أينشتاين (معدل ذكاء أينشتاين 180 درجة)؟ ولماذا لم يصبح واحد مثل كريستوفر لانجان رئيساً للولايات المتحدة (معدل ذكاء لانجان يقترب من المائتين)؟ لماذا ظل مغموراً إلى أن اكتشفته وسائل الإعلام؟ التفكير المبدئي يشير إلى دلائل مختلطة.

هناك ثلاثة أنواع من الذكاء طبقا لتقسيم سترنبيرج. الأول هو ما نطلق عليه القدرة العقلية العامة. وهو يقاس بالعديد من الاختبارات منها اختبار ستانفورد بينيه الأشهر في هذا الغرض. ويطلق على اختبار الذكاء من هذا النوع أيضاً اختبار القدرات الدراسية, لأنه مؤشر جيد على قدرة الفرد على التحصيل الدراسي, ولأن أسئلته تشبه إلى حد كبير مسائل الحساب.

النوع الثاني من الذكاء هو الذكاء العملي أو التطبيقي. ربما من الجائز لغرض هذه المقالة غير المتخصصة أن نطلق عليه الذكاء الاجتماعي. وهو قدرة الفرد على الحصول على ما يريد. قدرته على الوصول بالآخرين إلى النتيجة التي يريد. أما النوع الثالث فهو الذكاء الإبداعي, وهو قدرة الفرد على ابتداع شيء جديد لم يكن موجوداً من قبل.

الآن حلل نفسك معي. فكر ما الذي لديك من هذه الأنواع المختلفة من الذكاء. أنا لدي النوعين الأول والثالث بمقادير متفاوتة لكنها ترضيني. غير أنني اكتشفت اليوم أنني أفتقر كثيراً إلى النوع الثاني (التطبيقي). ربما تعاني أنت أيضاً من نفس المشكلة.

الكثير من المبدعين والعباقرة قتلوا بسبب عقولهم. قتلتهم اكتشافاتهم واختلافهم عن بقية البشر. لكن هذا لا يعزى فقط إلى الاختلاف بقدر ما يعزى أيضاً إلى عدم وجود قدر معقول من النوع الثاني من الذكاء لديهم. هناك أيضاً الكثير من الأذكياء يعيشون في العراء ولا يعرف بهم أحد. في كل مصلحة أو وزارة هناك من هم أزكى بمراحل من المدير أو الوزير, ومن هم أكثر كفاءة, لكن من ينجحون تكون لديهم خلطة معينة للوصول إلى النجاح, وتعتمد هذه الخلطة إلى حد بعيد على توافر النوع الثاني من الذكاء.

لكن إليك البشارة, فهذا النوع الثاني مكتسب. أي أنه ليس وراثياً. هذا ما قرأته اليوم في دراسة لعالمة في علم الاجتماع اسمها أنيت لارو. قامت أنيت بدراسة 12 دراسة حالة بين أطفال من أسر من مختلف الخلفيات الثقافية والمادية. ووجدت أن هناك نوعان من أساليب التربية هما المسئولان إلى حد كبير عن تنمية هذه المعرفة لدى الفرد. فالأسر الفقيرة يميل الطفل فيها إلى الخنوع وعدم الحديث في ظل وجود سلطة. أما الأسر الغنية فهي تميل إلى تشجيع أطفالها على التعبير عن أنفسهم, واقتناص ما يريدون.

النتائج التي توصلت إليها لارو لم تكن مدهشة لي, بل إنها لا تحتاج إلى دراسة. كنت قد عملت في مدرسة في قرية فقيرة لمدة يوم واحد بعدها تركت العمل. كان هذا أول يوم عمل لي. وعندما دخلت الفصل لم أر الجلبة المعتادة في فصولنا, وكان اندهاشي كبيراً. بعدها عملت في مدرسة خاصة. وفي المقابلة الشخصية قبل التعيين قال لي الموجه المقيم:

Amr.. our students are very naughty, how are you going to deal with them?h

Well, I prefer to call them hyper-active students...h -

وعندما دخلت إلى الفصل أدركت هذا الاختلاف بالفعل. فالأطفال في المدارس الخاصة لا يتركون المدرس يشرح الدرس دون تفاعل. بل يتوقفون عند كل نقطة ويشككون فيها, ويختبرون مدرسهم على الدوام. هم يعتبرون أن من حقهم أن يسألوا, وأن عمل المدرس أن يجيب. بينما يربى أولاد الفقراء على أن المدرس سلطة فوقية, إن أغضبتها فسوف نكسر رقبتك. (انت تكسر واحنا نجبس يا أستاذ)

هذان النمطان من التربية يؤديان إلى نوعين من الأشخاص الأول يعرف كيف يقنع الآخرين بنفسه, والثاني لا حاجة لنا بالحديث عنه.

كنت أتجول في الفضاء الأثيري حين اهتديت إلى موقع كتاب American Prometheus الذي يتحدث عن قصة حياة روبرت أوبنهايمر مخترع القنبلة النووية التي ألقيت في الحرب العالمية الثانية على اليابان. قاد الرجل مشروع إنتاج قنبلة غيرت مسار الحرب, وحولت مسار التاريخ البشري كله. لكن هل كان أوبنهايمر ذكياً؟ ما يقوله أصدقاؤه أنه كان لا يستطيع أن يدير كشك لبيع الهامبورجر.. فكيف سُمح له بقيادة مجموعة من المهندسين والعلماء؟ وكيف استطاع أن يصل بهم إلى مثل هذا النجاح (هو نجاح من وجهة النظر الأمريكية على الأقل)؟

كيف كانت سيرة أوبنهايمر الذاتية قبل أن يتولى هذا المنصب؟ كان طالباً مجداً حاول أن يقتل أستاذه بالسم, واستطاع بدهائه أن ينهي الموضوع كله بأن أحيل إلى الطبيب النفسي كي يتلقى جلسات للتخفيف عن أعصاب سيادته!! كما أنه كان صديقا لعدد كبير من الشيوعيين وهذا كفيل بألا يتولى هذا المنصب. كان عمره 32 سنة بما يعني أنه صغير للغاية على أن يدير مجموعة من العلماء كلهم أكبر منه سنا وعلما ومقاما وخبرة… لكن أوبنهايمر كان لديه شيء آخر ميزه… الكثير من الذكاء التطبيقي.

يقول الكاتبان كاي بيرد ومارتين شيروين أن أوبنهايمر عرف من أين تؤكل الكتف. أي أنه تعرف إلى الشخص المسئول عن تعيين قائد للمشروع ويدعى جروفز (لا أتذكر منصبه الآن), وأنه قال له الكلام الذي كان جروفز يريد أن يسمعه. ثم حين تولى منصبه دأب أوبنهايمر على العمل حتى نجح.

الكثير من الدراسات أشارت إلى أن المستوى المتوسط من القدرة العقلية العامة يستطيع أن يصل بصاحبه إلى مراتب راقية, وأن الزيادة في معدل الذكاء تفقد أثرها تدريجياً بعد هذا المتوسط, فلا فرق كبير في الأداء الواقعي الفعلي بين من يتمتع بذكاء قدره 180 ومن يتمتع بذكاء قدره 200 درجة.

أعود الآن بذهني إلى أيام المدرسة.. يبدو أنني كنت من الفئة الثانية التي لا تسأل ولا تستفسر كثيراً. الخبر السار كما قلت من قبل أن النوع الأول من الذكاء قدرة أما الثاني فهو معرفة, والمعرفة تكتسب. ارجع بذهنك أنت أيضاً هل لديك هذا النوع من المعرفة؟

سبتمبر 25، 2009

إن ما قدرتش تضحك

على الرغم من حبي المفرط للكلمات التي يغنيها وجيه عزيز إلا أنني لا أحب صوته مطلقاً.. ربما تتفقون معي أو تختلفون, لكنكم ستعجبون بالتأكيد بهذه الأغنية..

سبتمبر 23، 2009

1000 مبروك.. هل يعمل المبدع فقط من أجل إرضاء جمهوره؟

1970 الأفكار والتوقعات المسبقة هي وحدها ما يظلم فيلم أحمد حلمي "1000 مبروك", فالمشاهد يصنف حلمي على أنه ممثل كوميدي, وهو حين يدخل فيلماً اسمه "1000 مبروك" يتخيل مسبقاً أنه داخل إلى فيلم كوميدي له نهاية سعيدة, وبالتالي حين يعرض الفيلم لا يأتي على هواه, ويخرج لاعناً اليوم الذي رأى فيه إعلان الفيلم, وقرر فيه أن يشاهده.

تميل صناعة السينما في بلادنا إلى مسايرة الموجة, فحين خرج هنيدي بفيلمه "اسماعيلية رايح جاي" ظهرت موجة الأفلام الشبابية التي تعتمد في الغالب على الضحك والفكاهة حتى لم يعد بالسينما فيلماً واحداً يناقش أي مشكلة بطريقة جادة. ولم يعد هناك أثر لأفلام الأكشن, أو العنف. لكن يبدو أن حكاية الأفلام الكوميدية هذه قد أصبحت موضة قديمة, فانطلقت الأفلام هذا الموسم إلى بيئة العشوائيات, وإلى الأكشن, وفرغت الساحة من الأفلام الكوميدية عدا فيلم طير انت لأحمد مكي, وفيلم الدكتاتور لحسن حسني (هذا بالطبع إذا اعتبرنا أن الدكتاتور فيلماً من الأساس).

لكن الفرق بين أحمد حلمي وغيره هو أن أحمد يصوغ واقعه السينمائي, فقد نضج إلى الدرجة التي تجعله قادراً على اتخاذ مسار مختلف ومغاير, وهو لديه الشجاعة لتحمل عواقب مثل هذه المخاطرة.

في ألف مبروك يستيقظ البطل كل يوم ليفعل ويرى ويسمع نفس الأشياء, وينتهي اليوم دائماً بموته في تمام الثانية عشرة صباحاً. الفكرة جيدة, يقول مؤلفا الفيلم خالد ومحمد دياب أنهما استوحياها من أسطورة سيزيف, وهي الأسطورة التي استوحي منها فيلم Ground Hug Day في إشارة إلى أنهما لم يستفيدا أي شيء من الفيلم الأمريكي وهذا فيه إجحاف كبير.

تتكرر داخل الفيلم جملة محورية تقول إنه من الممكن تغيير الواقع, لكن لا يمكن تغيير القدر, وبالتالي يعمل بطل الفيلم على فهم بيئته المحيطة, ليعرف تدريجياً أن أمه ليست مدمنة كما كان يعتقد وأن أباه ليس مختلساً وأن علاقة الحب التي تربط بين أخته وصديقه علاقة شريفة, ثم يجد أن حياة هؤلاء كلهم مليئة بالمشاكل فيقرر أن يغير الواقع ويستسلم في نهاية الفيلم إلى القدر فيموت.

تخيلوا معي أن المشاهد الذي دخل كي "يعلي الطاسة" وينسى الهم يفاجأ في نهاية الفيلم بموت البطل, وبحقيقة أن القدر لا يمكن تغييره, وبالجملة (التي أراها سخيفة) التربوية على لسان حلمي والتي تقول "أن تكون غائباً حاضراً.. أفضل من أن تكون حاضراً غائباً".. حين تفتح أنوار السينما يشعر هذا المشاهد أنه قد خدع. وهنا يطرح الموقف سؤالاً: هل على المبدع أن يعمل من أجل إرضاء جمهوره؟

أعتقد أنه يجب عليه أن يرضي جمهوره في حدود, فالبحث عن رضا الجمهور قد يعني أحياناً الاستسلام للموجة, ومسايرة الوضع القائم, وعدم التجديد.

لم يعجب الفيلم الجماهير على الرغم من الأرباح الكثيرة التي حققها, ولم يعجب أيضاً بعض النقاد الذين رأوا أن النهاية كانت متوقعة منذ بداية الفيلم, وأنها غير مبتكرة وغير مختلفة. لكنني أرى أن النهاية متفقة تماماً مع رسالة الفيلم, فالبطل لابد وأن يموت حتى تكتمل الرسالة. بل إن اتباع نفس النهج الذي قامت عليه النسخة الأمريكية من الفيلم (ولا أعني بذلك أنهما متطابقان) بإنهائه بنهاية سعيدة لا يموت فيها البطل يقضي على الأساس الفكري الذي بنيت عليه هذه التجربة.

حالة الإحباط التي تصيب الفرد بغد النهاية تجعله يفكر في اصطياد العيوب كي يجلس بين أصحابه أو يكتب عن الفيلم مقالاً نقدياً يقتص فيه لنفسه بعد شعوره بالخديعة.. يبحث الفرد عن الأسباب التي جعلته غير راض فيقول كلاماً قد يجانبه الصواب كثيراً. فيتحدث البعض عن أن الفيلم ممل في بدايته, أو أن الأحداث لم تكن على درجة عالية من الجذب, أو غير ذلك من أوجه الكلام الواهي الذي قد نختلف بصدده وبشكل كبير.

هناك أمران أتفق على أنهما عيوب أساسية في تجربة حلمي, الأول هو عدم وجود أي دور يذكر لخطيبة البطل في يوم زفافهما, هذا الدور كان سيضيف الكثير لآدمية الشخصية. الأمر الثاني هو عدم الإشارة بأي شكل من الأشكال للفيلم الأمريكي الذي فتح أعين المؤلفين على الفكرة, حتى وإن كانت مقتبسة من أسطورة سيزيف. والحقيقة أنني غير راض تماماً عن الجملة الأخيرة التي تأتي على لسان حلمي, فهي بغض النظر عن كونها مبتذلة ومستخدمة إلا أنها أيضاً تحجم معنى الفيلم بل وتوجهه إلى مسار مختلف. فهي تشير إلى أن الموت من أجل غاية أفضل من الحياة بدونها, ولا أرى أن الفيلم أشار لذلك تحديداً بقدر ما أشار إلى جدلية الواقع والقدر. فالبطل في الفيلم لم يقتل نفسه لأنه يريد أن يغير الواقع.. هو لم يمت من أجل غاية, وإنما مات لأنه عرف أن قدره الموت, وهو في الطريق نحو تلك النهاية القدرية قرر أن يترك بصمته في الحياة.

بغض النظر عن كل هذا, فانا أرى أن حلمي على الطريق, وأنتظر منه المزيد. الفيلم جيد, وعليكم أيضاً أن تشاهدوه تشجيعاً لفن صادق استنزف الكثير من المجهود من القائمين عليه.

سبتمبر 18، 2009

هالة من نور

Energy

تعريفات لابد منها:

ياسمين: قطعة طرية من اللحم استيقظت ذات صباح فوجدتها تنام في المسافة الفاصلة بيني وبين زوجتي. ثم حين كبرت أصبحت ذلك العسكري الصغير الذي يضبطني دائماً كلما توددت إلى سارة.

سارة: هالة من النور تضيء حياتي.. فإذا ما انطفأت توقفت الحياة..

*****

النظر إلى عيني سارة يحتاج إلى تفرغ تام, وكوب من الشاي, وإلى الكثير من التأمل.. هذا ما أدركته وأنا أقود في طريقنا إلى الحفل. حين أخبرتها بسبب توقفنا على جانب الطريق ضحكت وأخبرتني بأنني "بكاش". وحين تضحك سارة لا أشعر سوى بأن قلبي كان منهكاً من طول الوقوف ثم على ضحكتها استراح وجلس..

أمد يدي نحو يدها فتشب ياسمين من المقعد الخلفي متسائلة عن سبب توقفنا. أرفع يدي على الفور قبل أن أنظر في المرآة بامتعاض. تبتسم زوجتي, ثم تتعامل مع الموقف.

أحب ياسمين كثيراً, لكنني لا أطيق أن تشاركني في سارة.. أحسدها وأغار منها, فمنذ أتت, شغلت ذلك الموضع من مفرق صدر حبيبتي والذي كنت أزرع وجهي فيه كل يوم.

أدخل إلى الحفل ممسكاً بيد سارة بعدما رفضت ياسمين أن أمسك يدها وقالت إنها كبرت.

- طيب ما أنا ماسك إيد ماما!!

لا ترد سوى بامتعاض خفيف على وجهها. كم تحيرني هذه الصغيرة, وكم تفاجئني بأفعالها, بالأمس بكت كثيراً حين رفضت أمها أن تضع لها أحمر الشفاة, وخلال الأيام الماضية كانت تلبس حذاء أمها, وتقف ممسكة بعصا المقشة وتقول "أنا ماما". والآن تريد أن تمشي وحدها وألا تمسك يدي على عكس "ماما" تماماً.

تنظر إلي سارة مبتسمة وتقول تفسيرات علمية لا تهمني عن إن البنت تتدرب على أدوارها الأنثوية, وأنها ترغب أيضاً في التحرر والاستقلال.. وتسرف في هذا الكلام الغليظ الذي لا أفهمه.

أنا أفهم فقط هذا الخوف الذي يعتريني حين تنفلت يدها من يدي وتجري بين السيارات, أو حين أبحث عنها حولي ولا أجدها. هي تقول إنها "ماما", وأنا سعيد بهذا, بل وأتمنى أن يكون لدي ألف "ماما" طالما سيصبحن كلهن صورة مكررة من سارة.

ما أن رأتنا سلمى بنت خالتي ندخل الحفل حتى أسرعت نحوي..

****

استدراك:

سلمى: هالة من الهباب تطين حياتي كلما سنحت لها الفرصة, وهي خطيبتي السابقة.

أنا: قط شيرازي مدلل يلتزم الصمت بينما تعبث أي حسناء بفرائه الناعم.

****

كعادتها تعاملت سلمى معي بلطف خبيث, وأطالت في السلام, والابتسام. فانقلب وجه سارة, ثم على الفور انطفأ النور..

سكت الجميع سكوتاً مؤقتاً, وسكنت الموسيقى. بحثت عن ياسمين في فزع فلم أتبينها من الظلام. قبل أن تعلو الأصوات والهمهمات في أرجاء المكان, فتح النور وتداعت الموسيقى. ثم سمعت صوت ياسمين يأتي من آخر الصالة وهي تهتف قائلة "هيه". ورأيتها وهي تقف على كرسي وتمسك سكينة الكهرباء.

قبل أن أتحرك من مكاني, كانت ياسمين قد جذبت السكينة مرة أخرى ليتوقف كل شيء في المكان. وعندما فتحت النور مرة أخرى, جريت أنا وسارة نحوها.. أمسكتها قبل أن تمتد إليها يد أمها بالعقاب.

****

تعديل:

ياسمين: قبس من نور سارة, وقطعة حبيبة مني تبذل مجهوداً ملحوظاً في التدرب على أدوارها الأنثوية.

سبتمبر 16، 2009

تأملات

prayer كنت قد تحدثت في التدوينة قبل السابقة عن مفهومنا الأرضي المغلوط للعدل الإلهي. وقلت إن ما لا يعجبنا من حالنا ليس ظلماً من الله وبذلك لا يستوجب العدل أو العوض. وإن الاختلافات بين البشر إنما هي وسيلة لعدل سماوي له مفهوم آخر يعنى في الأساس بالتكامل والتكافل. في هذه التدوينة سأتأمل بعض الآيات القرآنية التي قد تصل بنا لنفس المنتهى, وللمزيد من الأسئلة.

اليوم استيقظت من النوم بينما كنت أردد: "ولسوف يعطيك ربك فترضى, ألم يجدك يتيماً فآوى, ووجدك ضالاً فهدى, ووجدك عائلاً فأغنى".. (الآيات 5-8, سورة الضحى)

يقول الشيخ خالد الجندي (وأنا أحب هذا الرجل على الرغم من كل ما يثار حوله) إن ذروة عطاء الله للعبد ليست السعادة, فالسعادة شعور مؤقت زائل, وإنما ذروة عطاء الله للعبد هي الرضا. ومن هنا فالله لم يقل لرسوله ولسوف يعطيك ربك فتسعد, وإنما قال فترضى..

يعجبني كثيراً هذا الكلام وأراه صحيحاً, لكنني لا أملك سوى التفكر فيما يلي الآية الخامسة. فالله أوجد نبيه فقيراً, وأوجده ضالاً, وأوجده عائلاً, فلماذا يقول "يجدك" ولا يقول "أوجدك"؟ لماذا لا يقول الله إنه خلق نبيه فقيراً وضالاً وعائلاً؟

لا أعلم إجابة لهذا السؤال, لكنني أعلم من خلال ما جاء في هذه الآية أن الأصل في الإنسان الفقر, والجهل, والحاجة, وأن الله يمن على من يشاء بأن يرزقه المال والعلم والكفاية, وبأن يرضيه.. يمن الله على من يشاء.

إن لم يكن استنتاجي مقنعاً, فلتتأمل معي قوله تعالى في سورة النجم "أم للإنسان ما تمنى" (آية 24 سورة النجم). ورد أن هذه الآية نزلت في الكفار.. قيل في الوليد بن المغيرة وقيل في النضر بن الحرث. والمعنى الشائع في التفاسير أن ليس للإنسان ما تمنى من شفاعة الأصنام. إلا أن الكثير من التفاسير أوردت الكثير من التأويلات لهذه الآية. يقول ابن كثير "أي ليس كل من تمنى خيراً حصل له".

أنا لست من هواة إخراج الكلام من سياقه. إلا أن هذه الآية جاءت منفصلة عن الآية السابقة في سورة النجم والتي كانت بالفعل تتحدث إلى المشركين "إن هي ألا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم.." إلى آخر الآية الكريمة. كما أن وضع الآية 24 ملغز. لماذا فصلها الله عن سابقها, وجعلها عامة ثم أتبعها بقوله "فلله الآخرة والأولى" أي الدار الآخرة والدنيا؟ ولماذا فسرها ابن كثير بهذا التفسير؟

أرى أن الآية تشير أيضاً إلى أن الملك ملك الله ولا يكفي التمني للحصول على الشيء, وإن كان خيراً. وتشير الآية التي تليها إلى نفس النتيجة السابقة (فلله الآخرة والأولى) أي أن الله مالك الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء.

كي تكتمل الصورة دعونا نتأمل في قوله تعالى "لكي لا تأسوا على ما فاتكم, ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" (سورة الحديد آية 23). أرى من خلال ما قرأت في تفسير هذه الكلمات وأميل إلى أن النصف الثاني منها لا يعني الفرحة التي نعرفها, أي السعادة, وإنما المقصود هنا التفاخر على الناس بما آتانا الله وهذا واضح من العطف على جملة "والله لا يحب كل مختال فخور". لكنني أتوقف عند لفظة "فاتكم". لم يقل الله هنا على ما أصابكم من بلية, ولكن قال ما فاتكم. أي ما تمنيتموه ولم تحصلوا عليه.

قد يقول البعض أن كلامي به مغالطة كبيرة ويذكر ما جاء عن حبر الأمة (ابن عباس), حيث قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه "ثم قرأ " لكي لا تأسوا على ما فاتكم " أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم ". من يقرأ كلام ابن عباس وحديث الرسول (ص) قد يستدل خطأ على أن الآية موجهة للحديث عن المصيبة وإلا لما ذكر الرسول اللفظتين "يصيبه و أصابه"

لكنني رجعت إلى ما أحفظ من نصوص فوجدت حديثاً لرسول الله (ص) يقول فيه "عجباً لأمر المؤمن, إن أمره كله له خير. إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

وبالتالي فاللفظ أصاب يأتي على شاكلتين. أصاب خيراً أو شراً, ويقال أيضاً خير أصابه, أو شر أصابه. وبالتالي أعود لأتوقف عند قول الله تعالى "لكي لا تحزنوا على ما فاتكم".

فالإنسان يتمنى, وهو قد يعطى أمنيته, وقد لا تعطى له, فإن حرم منها لم يكن له أن يجزع, لأن الله مقدر الأقدار, وهو واهب الرضا..

لكن متى يرزق الله العبد الرضا؟ ربما الإجابة في سورة الضحى "فأما اليتيم فلا تقهر, وأما السائل فلا تنهر, وأما بنعمة ربك فحدث"..

هل يكون الرضا في اجتناب حرمان الآخرين مما حرم منه الفرد والعرفان بنعمة الله على الإنسان؟ سؤال لا أجيب عليه.