نوفمبر 06، 2010

السر

Egyptian_Rural - جدك في الستين لكنه بصحته ويركب أعلاها نخلة دون أن يبدو عليه مجهود.

تقول جدتي جملتها في فخر, تبتسم وتحرك حصوات في يدها تحكي عن تعلقه بها وعن زواجهما ثم ما تلبث أن تبكي بشكل هستيري..

- لماذا تضربني يا أحمد, أنت عفي, لكن ليس علي. أنا بنت ناس يا أحمد وسأحكي كل شيء لخلف أخي وهو سيأخذ حقي منك.

يشدني أبي من ذراعي بعد أن يطيب خاطر جدتي ويفرش لها المصطبة كي تنام. تغمض عينيها بينما الدموع لا تزال على خديها, تردد اسم جدي بشفتين مرتجفتين ونبرة متحسرة.

في الخارج لم يستطع الضوء الخافت للقمر أن يغير من ظلمة الممر الضيق, كما لم يكشف سوى عن بعض تفاصيل من وجه أبي ورؤوس النخل المهتزة على أطراف الحقل المجاور. أجلس إلى جواره على المصطبة, عين سيجارته تحمر في الظلام فتهرب الأسئلة من رأسي, ثم يضايقني صمتنا فأستجمع شجاعتي وأسأله عن جدي خلف وجدي أحمد وجدتي السر.

- مصارين البط تتعارك يا ولدي.

تقولها عمتي التي خرجت لتوها من الدار بينما تمد لي يدها بكوب من اللبن المغلي. ألتقط الكوب فتمصمص شفتيها وتردف بأن الواحد يمكن أن يقتل أقرب الناس إليه وهو غاضب. تجلس على الأرض مسندة ظهرها إلى الدار ثم تصمت.

أنظر إلى أبي وعمتي وقطة بيضاء نامت عند باب الدار فأراهم كلوحة ذات بعد واحد. تختلط الكثير من الأفكار في رأسي, أشعر برغبة في التدخين لكنني أخجل من أبي, أستنشق الهواء الذي تنفسه ربما يتوقف الألم في رأسي أو ربما أفهم. أتساءل لماذا يبدو الأمر عادياً وطبيعياً للجميع إلا أنا؟ ولماذا يستجيب الناس والأشياء في تثاقل وصمت هنا؟ أكره الانضمام إلى اللوحة الصامتة فأقول بصوت منخفض:

- هكذا ضاع ثلاثة بدلاً من اثنين.

أحس بغضب أبي من خلال التماع مقدمة سيجارته لفترة طويلة, يرد بلهجة حاسمة بان النساء لدينا لا يسجن ولا تأخذهن الحكومة, وأنه شهد مع الشهود, وأن جدي السيد شهد هو الآخر على ابنه وشهد سليمان وخليفة وحتى منصور العبيط.

تتحرك رؤوس النخل كأنما تؤكد على كلام أبي, يختلط الجريد بالجريد محدثاً صوتاً مميزاً, تشتد الرياح ثم سرعان ما تحمل معها صوتاً نعرفه جيداً.

على الفور أجري أنا وأبي وعمتي وجيران لنا, تخوض أرجلنا في المسقي وتمتلئ بالطين.. ننتزع جدتي السر من تعلقها بالنخلة, تحتضنها عمتي وتربت على ظهرها, تصرخ جدتي:

- انزل يا أحمد.. يا أحمد انزل.

تضع جارة لنا يدها على صدرها وهي تتمتم في حزن:

- استر على عبيدك يا رب.

كتبت هذه القصة في جلسة الارتجالة بمغامير. الأحداث حقيقية وكنت قد أشرت إليها في تدوينة "جدتي اسمها السر". الجملة الأخيرة في القصة مقتبسة من قصة “سماعين” للرائع خيري شلبي.

هناك 14 تعليقًا:

تــسنيـم يقول...

عجبتني طريقة السرد و حبكة الأحداث قبل ما أراجع التدوينة القديمة

دلوقتي بقى بعد ما قريتها و افتكرت الخلفية وشوفت المشهد اللي إنت مصوره كامل, عجبتني أكتر


حلو أوي إن خيال الكاتب يكون خصب لدرجة إن أي مشهد يمر في حياته يجعل منه قصة.. هذه ضريبة الأدباء يا عزيزي


:)

عجبتني جدا

عمرو يقول...

تسنيم
وهو ده العادي من بنك مصر
:)

يا خرابي يا تسنيم, تعرفي القصة دي بتفكرني بأيام ما كنت باكتب في شبابي
(وش بسنان)

شكرا ليكي قويييي

enjy يقول...

ممممممممممم..

المشكلة إنك بتغيظني..يعني الحكي كدة والكلام سلس أوى كإنك لا فكرت ولا قعدت تربط الأحداث وترتب تعبيرات جنب بعضها ولا كإنك بدلت جمل مكان جمل ولا عدلت أى حاجة.

كإنك بتغني..عادي..حاجة إنت عارفها وبتغنيها ومأجهدتش ذهنك مليمتر.

حريف يا عمرو

ponpona يقول...

عارف
من ساعة أول مرة قرأت لك لحد دلوقتي وانا بيوصلني - إلى جانب احساس القصة ذات نفسها - احساس تاني مميز ، وهو هو نفس الاحساس المميز ده بيتكرر باختلاف القصص و بعد كل قراية .

الغريب ان انا ماكنتش عارفة ايه هو الاحساس ده ، مش لاقياله مسمى يعني ، النهاردة عرفت : يببقى اسمه " طيبة "

حكيك طيب يا عمرو .. طيب فعلاً

بحس انك بتحكي عن أشخاصك سواءً كانوا حقيقين ام خيالين كما يحكي أب طيب عن أبنائه ، لا يغضب منهم حتى وان اخطئوا .

" انت كيان طيب يا عمرو "
الجملة دي شبه اتنين بس قرأتلهم : انت و المخزنجي

enjy يقول...

أيوااااااااااا

كيان طيب..أنا بحس بكدة برضو

عمرو يقول...

انجي ومنى
مش عارف أرد, والله مش عارف, انتم مش أخجلتم تواضعنا بس, انتم أخجلتم كل حاجة فينا
:)

ponpona يقول...

انت تستاهل كل الخير وانت عارف :)

عمرو يقول...

:)

موناليزا يقول...

يمكنني القول أن كل قصة منفصلة بطريقة او بأخري عن القصة الثانية حسيت بالانفصال ده لما قريت العمل الأول "جدتي اسمها السر"
القصة الأولي بتحكي عن "السر" الأنثي التي لغي اسمها الحقيقي وانفردت بمسمي صنعته أفعالها مع زوجها الرجل وهذا الاسم يخفي بين طياته رموز ودلالات كثيرة منها احترام المرأة –وجهة نظر الناس في المجتمع المذكور- بعدم تعريضها للبهدلة حتي لو ارتكبت خطيئة تغضب الله –مع اعتراضي طبعا وان دهب يخل بالمساواة-،فأصبح ما فعلته سرا حتي يضمنوا عدم تعرضها للعقاب وبتتوالي الأحداث لتصل في النهاية إلي موت "السر" وزوجها أبو أحمد وبقاء القصة علي ألسنة الرواة
القصة الأولي انتهت بموت السر ولا يمكن ان تكون القصة التانية تكملة ليها
واعتقد ان قصة "السر" الجديدة كانت عبارة عن لقطة او مشهد من المشاهد التي لم تذكر في القصة الأولي بمعني انك قلت في القصة الأولي" لكن الغريب كان موقف السر, التي بكت زوجها بكاء شديداً حتى أنها كانت تجلس تحت نخله في كل ليلة مقمرة بها رياح, كان يهيأ لها مع اهتزاز النخل وانعكاسات ضوء القمر بأن زوجها "راكب النخلة" فكانت تنادي عليه "انزل يا ابو احمد.. انزل يا ابو احمد".. ويهرع إليها أهل القرية خوفاً عليها من الجنون" وفي نهاية القصة بتموت وفي القصة التانية بتقول " على الفور أجري أنا وأبي وعمتي وجيران لنا, تخوض أرجلنا في المسقي وتمتلئ بالطين.. ننتزع جدتي السر من تعلقها بالنخلة, تحتضنها عمتي وتربت على ظهرها, تصرخ جدتي:
- انزل يا أحمد.. يا أحمد انزل.
تضع جارة لنا يدها على صدرها وهي تتمتم في حزن:
- استر على عبيدك يا رب.
فكان واضح جدا انك ركزت علي لقطة معينة من القصة الأولي وبنيت عليها القصة التانية ودي فعلا حاجة ذكية لأن الكاتب أو الأديب الذكي بيركز علي التفاصيل وانت مش ركزت علي تفصيلة في الواقع انت ركزت علي تفصيلة في قصة من قصصك، حقيقي جميل
دا من ناحية الموضوع والحدث
اما القصة والحالة والسرد فطبعا رائع جدا
اللغة السلسة والسرد الممتع المشوق واختيار لقطة من قصة اتكبت من قبل ذكاء يشهد لك بيه حقيقي ،عجبني عنصر المشهدية في القصتين ودا معمول بفنية عالية قوي واحتراف-بحقد عليك بشكل فظيع – واخيرا كان عن الخيال في الوصف والبعد عن السرد المجرد من خيال اعطي للقصة حياة اكتر زدا وضح من الصور الفنية " عين سيجارته تحمر في الظلام فتهرب الأسئلة من رأسي" ،" فأراهم كلوحة ذات بعد واحد" وغيرها.
كمان الحوار كان من العناصر اللي بتدي القصة مصداقية كبيرة
حقيقي شغل هايل
*ملحوظة :معروف طبعا ان الكلام اللي بين شرطتين جملة اعتراضية ممكن تتحذف

عمرو يقول...

شيماء
أقطع دراعي من هنا لو كنت فاهم الكلام الكبير اللي انتي كاتباه ده D:

متشكر قوي ليكي يا شيماء, أنا نفسي ما فكرتش أقارن بين التدوينة الأولى والقصة, وربنا يعينك على شغل البيت
:)

زهرة يقول...

اسلوب النصين بجد رائع..والكتابه اللى توصلك مشاعر الناس اللى بتحكى عنهم اوى دى بتبقى...احلى حاجه بالنسبالى
بس انا عندى اقتراح صغير
تحط لينك للتدوينه الاولى لانها حتفرق اوى مع زائر جديد للمدونه زىى سواء فى انه يلاقى التدوينه او انه يقرا الاولى قبل التانيه

:) تحياتى

عمرو يقول...

زهرة
أهلا بيكي هنا. من مدونتك لاحظت إنك تعرفي أغلب الناس اللي أنا أعرفهم :)

من عينيا يا زهرة هاحط اللينك
:)
سعدت بمرورك

WINNER يقول...

like

إبـراهيم ... معـايــا يقول...

عيني عليك بااااردة، أنا لسه كنت هنا امبارح باللي، لاا كان فيه النص الجديد ده، ولا 13 تعليق، مممممممم
ما علينــا
شكر واجب لارتجالة مغامير اللي خلتك تكتب نص حلو كده ...
هذه القصة كانت من حسنات هذه الليلة
مممممممم نسيت ترفق مثير الارتجال (أغنية بيبه فيلم عـرق البلح) ..

ممممممم أم هند
تعليق شيمـاء تحليلي وتحفـــة

لسه برضه مصمم تقول إن (استر علينا يارب) بتاعة خيري شلبي، والله يا أخي تلاقي خيري نتفسه مش فاكر :)
.
.
القصة عجبتني جدًا وكونها مقطوعة من نسيج حي اسمه الواقع أكسبها "حساسية" وصدق
وإنتا أصلاً بتكتب حلو وحاجة تموَّع النفس

وبعدين أنا كنت جاي هنا عشان عمرو دياب أصلاً

ياللا بقى
( فوتك بعافية)
دي مقتبسة من بهاء طاهر غالبًا