مايو 28، 2008

أن تعيش لتحزن


أعرفه جيدا حين يأتي. صرت خبيرا به وصار صديقا مخلصا. هو ذلك الحزن المخملي الرقيق القوي يتسحب على صدري آخر الليل, يطبق عليه فيشغلني عن الحر في الصيف ويدفئني في برد الشتاء.

ربما تقولون عني بعد قراءة الكلمات السابقة إني شخصية ماسوشية محبة للألم وتعذيب الذات لكن هذا غير صحيح على الإطلاق. فأنا لا أحب الحزن لكنه يعشقني ويلازمني وينام إلى جواري كل ليلة. نعم وهو لا يفعل هذا إلا مع العظماء من أمثالي. اقرؤوا معي تميم البرغوثي
أنا عالم بالحزن منذ طفولتي ... رفيقي فما أخطيه حين أقابله
وإن له كفا إذا ما أراحها... على جبل ما قام بالكف كاهله
يقلبني رأسا على عقب بها ... كما أمسكت ساق الوليد قوابله
ويحملني كالصقر يحمل صيده ... ويعدو به فوق السحاب يطاوله
فإن فر من مخلابه راح هالكا ... وإن ظل في مخلابه فهو آكله

الأسبوع الماضي أعطاني أستاذي عنتر صيلحي دراسة بعنوان "رجال حول مائدة الأدب" وهي تحكي سيرة حياة أربعة من أدباء اللغة الإنجليزية هم يوجين أونيل وجون كيتس وويليام ورثوردس وإدجار آلان بو. بعد قراءة الدراسة دار في عقلي الكثير حول علاقة الألم والحزن بقامة الأديب وحرفيته.. وانتهيت إلى أن الحزن صديق العظماء وعلى قدر عظم المرء تكون قوة الصداقة

فإدجار آلان بو عاش حياته مهاجما من كتاب جيله والنقاد ومات مخلفا أدبا لا حصر له لكن حياته على المستوى الشخصي كانت أشبه بمسرحية تراجيدية أو فيلما هنديا. حيث ولد يوجين لأبوين ممثلين ماتا وهو في نعومة أظفاره وعندما شب أحب بشدة ابنة عمه فتزوجها لكنها أيضا ماتت وتركته يقاسي ألم الفقد. ظل آلان بو يبحث عن الحب ما تبقى من حياته وظل يبحث عن حبيبته بين النساء ثم وجد في أحد شوارع باتليمور يهذي ومات في المستشفى وهو يقول "إلهي خلص روحي المعذبة"

أما كيتس فمات عنه أبوه وهو في التاسعة ثم أمه بداء السل فلم يجد في الدنيا شخصا محبا إلا أخيه الذي مات أيضا بنفس المرض .. يتخبط كيتس في البداية ثم يبحث عن الحب ويجده في المنزل المجاور ليموت تاركا الدنيا وعذابها

لن أتكلم عن ويليام ورثوردس فالرجل عاش مرفها لكن كل متارف حياته انقلبت عليه في النهاية ليعيش مأساة حقيقية يموت بعدها حزنا. أما يوجين أونيل فهو معشوق الحزن الأول. حيث ولد الرجل لأم بخل عليها زوجها بمسكن وطبيب مجيد فكان أن ولد يوجين في غرفة بفندق على يد طبيب مبتدئ أعطى الأم جرعة مورفين كي تتحمل آلام الولادة مما جعلها تدمنه بعد ذلك ليعيش يوجين محملا بهم أمه المدمنة وأبيه البخيل. آلام كثيرة تجمعت على أونيل الأمر الذي جعله ينتحر كمدا في غرفة بفندق شيراتون ليقول قولته الشهيرة "أتيت إلى العالم في غرفة بفندق وها أنا أتركه في غرفة بفندق"

إذا جمعتم معي كلام الدراسة مع حكايات نعرفها جيدا عن ناس من أمثال سعاد حسني التي غنت "الحياة بقى لونها وردي" بينما كانت تقاسي آلاما لا حصر لها وكبف ماتت تلك الميتة الغريبة الغامضة.. إذا فعلتم ذلك وجدتم معي أن الحزن صديق العظماء

هنيئا لي بصديقي العزيز


هناك 10 تعليقات:

Isolde يقول...

Remember when I told u that pain moves us even more stronger than love... You'll never b great without pain, and the more painful ur experiences r, the greater, and deeper, u shall become. Congratulations 4 such a friend, though, honestly, i wish u never had him. It's far much better to b happy than b great

عمرو يقول...

But u know the pursuit of happiness is always in vain. One can't be happy just because he wants to be so. We can say that great people are great cuz they can't be happy

تسـنيم يقول...

فإن فر من مخلابه راح هالكا ... وإن ظل في مخلابه فهو آكله
_______________________
إن كان لابد للعظماء من مصادقة الحزن فشكرا لتلك العظمة .. لا نريدها


يكفينا من الحزن ما يأتينا على فترات متباعدة لا أن يسكننا ويسكنه

عمرو يقول...

يا تسنيم مش إحنا اللي بنختار.. الحزن هو اللي بيختارنا تحت اسم الظروف والقدر..
سعدت جدا بمرورك

تسـنيم يقول...

بس احنا اللي بنبرر سكناه الدائمة لدينا

لو لم نسعى للتبرير والتعايش معه ربما كان رحل

عمرو يقول...

لا يا تسنيم الموضوع أكبر من كده
أنا قصدت إن الحزن بيقوي. كل ما الواحد تجاربه الحزينة المؤلمة زادت كل ما ده كان قوة أكبر له يحقق بيها نجاح كبير في حاجة تانية تعوضه عن الألم اللي حس بيه
كل محاولات البحث عن السعادة لم تنجح وأحيلك بهذا الخصوص لـThe history of Russelas Prince of Abyssinia
أما عدم التعايش مع الحزن يعني صراع محتدم وحامي الوطيس بين الإنسان وذاته ممكن يوصله للجنون
كلامك صح في إن الواحد لازم يحاول يبتسم.. بس ده معناه إنه أصبح أقوى عشان عارف يبتسم في وقت المفروض فيه يعيط

أحمد الشمسي يقول...

ياااااه...
وجالك قلب؟
تكتب كل الكلام الطويل المجعلص ده عشان تقولنا انك شخص عظيم؟
والله انت فقري...

اقتباسات من كريمة صابر (قاتل هو الفرح المخملي) على اقتباسات من تميم البرغوثي، على اقتباسات من الدكتور عنتر، كل ده عشان تقول انك عظيم، روح يا شيخ...

عمرو يقول...

اللي يقرا تعليقك يا شمسي يحكم مين اللي فقري؟

nor يقول...

مخملي ....
ماسوشي.....
خلصت المخزون ياذوق بلاش النفسنة واستخراج الكلنات من الذاكرة المعين قرب يخلص فين التجديد ياواد
اجعل ماعونك ينضح بما ليس فيه حرك الجمجمة.........

بس انا معاك طحن في موضوع تميم أنا متيم به بشده.... يلا نفسن كده واعملنا حاجة شبهه كده...

اتمسى

زهره ربيعيه يقول...

طاب ماهو لو زى ما حضرتك بتقول ..ابقا انا عمرى ما هبقا عظيمه..قد يكون عندى الاف الاحزان انما انا لا اصادقها..احب جدا الحياه بقا لونها وردى واعشق الالوان الورديه والخضراء والصفراء التى تضج بالحياه..هل معنى هذا اننى لن اكون يوما كاتبه؟اتصدق لا يهمنى ان اصبح كاتبه ان كالن الامر يتوقف على كونى صديقه للحزن..فلقد تركت الابتسامه خطوطها حول شفتى ليراها اى عابر..فيتساءل ترى ما الشىء الذى يضحكنى..؟