أبريل 10، 2009

شاي والا


كان عم رمضان طويلاً, أسمر, ووسيماً إلى حد ما.


كل صباح, أستند على الحائط خلف الكنبة التي أمام البوفيه وأشير بيدي إشارة يفهمها. لم يعترض الرجل يوماً ولم يتأخر. كان يفهم على الفور ويأتي لي بكوب شاي وابتسامة. صحيح أنه لم يكن يجيد صنع الشاي كما أفضله, لكنه كان بارعاً في الابتسام. أذكر كيف جرى خلفي ذات مرة طريقاً طويلاً كي يعطيني أوراقاً نسيتها في المدرسة. كان فتياً رغم سنه, لحق بالسيارة وأعطاني الأوراق. حين كنت أجلس بين الحصص كنت أتفحصه. ثيابه تدل على أنه ابن عز. فالجلباب الصوفي الطويل والحذاء اللامع والشال العريض وكل شيء فيه كان يشي بأنه ليس فقيراً. بعد سنوات, وبعد أن قدم لي ما يزيد على ألف كوب من الشاي علمت أنه هو الذي تبرع بالأرض التي أنشئت عليها المدرسة. علمت بعد سنين أنني ضيف على من يصنع لي الشاي.

في عملي الجديد, يقدم لي الشاي رجل كبير السن, بطيء الحركة, شعره أبيض رمادي كسحاب يوم ممطر. اسمه عم عاصم. خجلت في أول يوم أن أطلب منه كوباً من الشاي. أتاني وأشار لي بيده تلك الإشارة التي كنت أشيرها لعم رمضان. ابتسمت..
- "أيوة, يا عم عاصم. بس أنا خايف أتعبك".

للشاي لغة إذاً.


في عيني عم عاصم أب وجد ودروب وسفر وحياة. في عينيه أيضاً بؤس وحزن وشقاء. في يومي الثاني بالعمل جاء مبكراً وفي يده فوطة نظيفة, أزال ما على مكتبي ومسحه وتمنى لي صباحاً جميلاً. مؤكد أنه سيكون جميلاً ذلك اليوم الذي يبدأ بوجهك يا عم عاصم. أشار بيده تلك الإشارة, فأجبت أن "نعم".


علمت من زملائي بالعمل أن عم عاصم كان يعمل مدرساً للرياضيات ثم ناظراً لأحد المدارس, وأنه أعير للملكة العربية السعودية وعاد منها منذ عشر سنوات ليسافر إلى إسبانيا. لا أعرف بالضبط ما الذي كان يفعله هناك لكنه سافر. حين قلت له ما عرفت, قال إن هذا صحيح. سألته لم يعمل عاملاً, إن كان يمكنه أن يعمل في وظيفة أفضل. أعطاني ظهره وقال أن هذا أمر شخصي يود حفظه لنفسه.
في كل نادي أو كافيتيريا, أدقق النظر في من يقدمون الشاي.. أعلم أن خلف كلماتهم القليلة حكايات وحكايات.


شاهدت منذ عدة أسابيع المليونير المتشرد أو Slumdog Millionaire, الفيلم الحائز على أوسكار (كل حاجة). يحكي الفيلم عن ساليم الذي يعمل عامل شاي أو "شاي وَالا" (بتفخيم اللام). بطل الفيلم شاب جاهل لا يعرف كيف يقرأ أو يكتب, لكنه مع ذلك يفوز بجائزة النسخة الهندية من برنامج من سيربح المليون. يفوز البطل- وهو الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة- بمليوني دولار فشل في الحصول عليها المثقفون وأساتذة العلم. وحين يُحَقَق معه ظناً من مقدم البرنامج أنه يغش, يبدأ البطل في سرد حياته فنعلم كيف أجاب عن الأسئلة. لست هنا بصدد نقد الفيلم الذي لا أراه مبهراً وإن كنت أقر بأنه فيلم جيد الصنع. لكن الإنسان طاقة, وأريد أن أعبر عن غيظي من أحد المشاهد. ففي الفيلم نجد أخا البطل (وهو بلطجي درجة أولى) يصلي صلاة المسلمين لله كي يغفر له ذنوبه, ثم يخرج كي يروع الآمنين. صورة تكررت في الكثير من الأفلام الأمريكية والبريطانية على السواء. ولا أعلم كيف ينال الأوسكار فيلم أساء فهم شعوب بأكملها.

تعلمت خلال الفترة الماضية أن لكل شخص حكاية. كنت أعرف ذلك لكنني لم أكن قد رأيته.

هناك 4 تعليقات:

Isolde يقول...

طبعا لكل انسان حكايات، متداخلة و متشابكة مع بعضها، و غالبا الانسان اللي بيحاول يفهم نفسه بيتووووه وسطها. عم عاصم اكيد عنده اسبابه، و عجبي عالدنيا اللي تخلي واحد ف مكانته عامل بوفيه.

اما عن تشويه الصور، و سوء الفهم في الافلام الامريكية و البريطانية ف ده العادي، و ده "تحديدا" اللي بياخدوا عليه جوايز.

عمرو يقول...

أهلا إيزولد
تعرفي الموضوع مش موضوع حكايات بس, دي ألغاز. ممكن الواحد يقعد يفكر ويطلع ألف سيناريو وسيناريو للحاجات اللي ما يعرفهاش في حكايات الناس دي

غير معرف يقول...

عجبنى اوى يا عمرو وصفك للشخصيات عم رمضان او عم عاصم خاصة انى ببحث دلوقتى فى موضوع الشخصية وتكوينها وابعادها
رسمك ليها كان بسيط ومركز ومباشر
اما بخصوص الفيلم انا ليا تقريبا نفس الانتقاد بتاعك عليه غير شوية حاجات تانية
الفيلم حلو واتعمل فيه شغل كويس سواء على مستوى الانتاج او الحبكة لكن انا مش شايفة انه يوصل لدرجة اوسكار كل حاجة زى ما بتقول.


إسراء فيصل مقابل

nor يقول...

ترعف اكتر حاجة بتعجبني فيك
ليك منطق مختلف في النظر للأشياء وكذلك ظروف خبراتية متفرده

دمت كيفما انت