أبريل 08، 2007

مرارة روح




لكن السائق أنزلني.. كنت أعلم أنه كان يكذب حين قال أن المسافة بين الطريق الرئيسي والمدرسة "فركة كعب" لكني نزلت.. انتظرت قليلا علني أجد سيارة أخرى تقلني ثم أدركت بعد الكثير من الانتظار أنه ليس أمامي سوى أن أزرع قدمي في إسفلت الطريق الطويل العاري المؤدي لمدرسة نجع عبد الله.. تململت قليلا من مجرد التفكير في اجتياز هذه المسافة على قدمي.. ثم قلت لنفسي أن علي أن أترك حياة الدعة التي قضيتها في الجامعة وأن أستعد لحياتي الجديدة.

في الطريق لم تفارقني صورتها.. كانت لا تزال تبتسم .. تمد يدها كي تتناول كيس القمامة الذي أمسكه لكني أبعد يدي محاولا ألا ألمس جسدها الملوث بتلك المادة التي تشبه اللبن المتخثر.. تأخذني ملامحها.. ضفيرتاها الفأريتان اللتان لا تصلان إلى كتفيها.. وجهها الطويل الأحدب.. سمرتها.. القشف الذي تفشى في جسدها.. تتقدم نحوي فأمسك الكيس بأطراف أصابعي ثم أناوله لها وألاحظها وهي تضمه إلى صدرها في فرح..

حين تساءلت كيف يمكن لبشر أن يقتات من سلة قمامة؟ كيف يمكن لطفلة مثل هذه أن تأمن شارع المدينة في مثل هذا الوقت المتأخر؟ وضع الأستاذ عبد السميع يده على كتفي ثم قال: حلاوة روح.. الجميع هنا في غرفة المعلمين رغم الفقر البادي عليهم ورغم ما قد يبدو عليهم من ضحالة ثقافية تجدهم فلاسفة كل على طريقته.. صحيح أن أغلبهم يذكرك بذلك القالب السينمائي للقروي الساذج لكن ما يخفيه صدر كل منهم يبدو كفيلا بإقصائه عن ذلك القالب.

حين دق الجرس تسرب هم ثقيل إلى صدري.. أخذت أقنع نفسي أن تعليم لغة ثانية لمثل هذه الفئة السنية ليس جريمة.. وأنه لو كان كذلك فأنا مجبر.. قلت لنفسي أن من فرض هذه المادة لابد وأنه أعلم مني.. وأن هذا الهم الذي أشعر به إنما نبع من حيرتي وحزني حين فرض علي أن أعلم فئة سنية لم أعد للتعامل معها.. كان الاقتناع بمثل هذه الأسباب صعبا لذا وجدتني أميل إلى أن ما أشعر به هو ألم الولوج إلى الحياة الجديدة..

أحاول أن أنسى استعدادا لدخول الفصل.. أدفع الباب ثم أقول:
-Good morning .

الأطفال داخل الفصل لديهم هم أيضا ذلك الوجه الأرضي المتشقق بكل خصائصه.. أستعد للشرح.. أنطق ببعض كلمات ثم أتوقف حين ألاحظها بين الأطفال.. أقترب منها أكثر فيتبين لي أنها ليست من كنت أظن.. أسألها:
-what is your name?
تضع يدها على فهمها محاولة منع نفسها من الضحك.. أسألها بالعربية هذه المرة:
- اسمك إيه؟
ترد:
- سميرة.

بين الحصص كانت سميرة تجري في طرقة المدرسة تدفع أمامها عجلة من الكاوتش.. تتنقل بين الفصول وتجمع أكياس التغذية التي قد يتركها بعض الأطفال.. حين سألت عنها الأستاذ عبد السميع قال إنها لم تسكن المدينة قط.. ثم أشاد بذكائها وكيف أنها تجمع التغذية من الأطفال لتبيعها لهم مرة أخرى في الفسحة.

قبل أن أخترق الطريق الطويل العاري راجعا إلى منزلي فكرت في أن الجنيهات القليلة التي سوف أجنيها من العمل هنا لن تكفي المواصلات.. في أن هذا العمل لا يتناسب معي.. في أنني لست أفضل حالا من صاحبة الوجه الباسم خلف صندوق القمامة.. لكن سميرة قطعت علي تفكيري حين تخطتني بعجلتها مصدرة صوت سيارة.. نظرت خلفها كي تحييني فوقعت العجلة من يدها, وعلى عكس ما توقعت لم تعر سميرة العجلة أي اهتمام وإنما فردت يديها في الهواء وأصدرت أزيز طائرة.

هناك 3 تعليقات:

Esper يقول...

قصتك تركت في نفسي شيئا بعد قراءتها ... انها مؤثرة حقا أنت موهوب حقيقي

زهره ربيعيه يقول...

اعمل فيك ايه؟طاب قوللى انت اعمل فيك ايه..اولا انا بشكرك على التحف اللى بتخلينى اقرا منها كل يوم قبل ما انام..والله كنت مفتقده جدا الكلام المنغم اللى انت بتكتبه..مش عارفه لما تخلص قرايتى لكل قصصك هعمل ايه..دى سدت فراغ كبيرررررررررر اوى فى حياتى.
ثم ايه المهاره والاتقان ده..فنان والله فنان..
شفت اخر قصتك لما سميره لم تهتم لاطار العجله عملت ايه..اتخيلت مش بس عجله ولا عربيه طياره..كانها اشاره ليك بان طموحك فى المدرسة البسيطه دى ولو انه بسيط لكن هيكبر مع الوقت..واعتقد ده اللى حصل بالفعل..
انا بقيت معجبه جدا بكلماتك
ولا اسكت لك الله صوتا
وتعيش وتكتبلنا احلى واحلى يابرنس القصه القصيره

عمرو يقول...

أهلا زهرة
متشكر خالص قوي يعني على الكلام الحلو ده. يعني كان لازم تفكريني إني مبدع وعبقري
:)
زورونا تجدوا ما يسركم
نحن نتميز عن الآخرين