أبريل 25، 2010

لا تصالح

اليوم أهداني أحدهم طبقاً من الخوخ, وبابتسامة عريضة أخبرني أنه خوخ إسرائيلي.. نظرت إلى الخوخ الذي تنكر في شكل التفاح في اندهاش, قال إنه يزرع هنا في مصر لكن بذوره تأتي من إسرائيل… عمار يا مصر

الحقيقة أن الفضول أخذني للتجربة, لكنني شعرت وأنا أتذوق المسخ الإسرائيلي بمشاعر مختلطة… كلها سلبية, ليس فقط لأنني لا أصالح, وليس فقط لأن أسرتي الصغيرة تأثرت كثيراً من تبعات الحرب, وليس فقط لأنني أحب هذا البلد ويوجعني حاله, ليس من أجل هذه الأسباب فحسب, ولكن أيضاُ لأن الخوخ البلدي مذاقه أفضل بكثير من الإسرائيلي..

مروا بأعينكم معي على رائعة أمل دنقل.. لا تصالح

لا تصالح!.. أمل دنقل
(1)
لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!

(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!

(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!

(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف

 

(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!

(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!

(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

(9)
لا تصالحْ
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخْ
والرجال التي ملأتها الشروخْ
هؤلاء الذين يحبون طعم الثريدْ
وامتطاء العبيدْ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت  سنوات الشموخْ
لا تصالحْ
فليس سوى أن تريدْ
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيدْ
وسواك.. المسوخْ!

(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ
لا تصالحْ

 

أبريل 24، 2010

anxiety%20PTSD

أبريل 23، 2010

نشيج

post-18-30117-TEARS تعود بإناء فيه ماء تضعه على النار, ثم تجري خلف دجاجة من دواجنها.. تنحني في ألم, ترتمي بنصف جسدها مادة يديها نحو الدجاجة, ويرتج بطنها بعنف فتضع يدها تحته.. تهرب الدجاجة منها فتجري سنية خلفها بسرعة أكبر, يرتج بطنها... تتألم...
تصيح الدجاجة في قلق وفزع...
تخرج دماء نافرة من العنق المذبوح فتلتهب ذاكرة سنية, ترتد الكثير من الذكريات المؤلمة وتقف كأشباح أمامها لكنها تزيحها جميعاً وتعود إلى الموقد ثم تضع دجاجتها في الماء المغلي بعد أن تفارقها الروح..
تقف عزة أخت زوجها واضعة يدها عند وسطها, تلوي حنكها وهي تقول "اللي يقول لها جوزها يا عورة" فترد أخته الكبرى وهي تضغط برجلها على يد طلمبة الماء قائلة: "يلعبوا بيها الكورة"..
تضحكان..
تنتف سنية ريش الدجاجة في ألم, بينما تستمع إلى غناء النساء في الخارج وصوت الدفوف. كانت أم علي تغني بحماس كعادتها... تغني كأنها تفعل هذا للمرة الأولى.. وكان صوت النسوة من خلفها عالياً فرحاً مجلجلاً..
تمسح سنية دموعها.. هي لا تحب سليم على أي حال لكنها تتألم لما يحدث ولا تعلم السبب, تتشاغل بما في يدها عن حزنها وعن ألم بطنها الذي أصابها من أثر الركض..
تضع الدجاجة في الماء المغلي مرة أخرى.. لم يتبق أمامها سوى بعض الريش الناعم الداكن القصير, تنتفه بأطراف أظافرها فتتذكر كيف اندفعت النسوة نحوها في ذلك اليوم, وكيف عملن في همة لإزالة شعر جسدها بالحلاوة, وكيف كان صوت أم علي متحمساً بالخارج كالعادة, و كان صوت النسوة مجلجلاً وهن يغنين في فرح نفس الأغاني, بينما ظلت هي صامتة, لم يكن بإمكانها أن تصيح أو ترفض.. أو حتى أن تتألم مع نزع الشعر بالحلاوة.
تستمر في نتف الريش القصير الداكن..
ترى النسوة ينتفن الشعر الزائد من جسدها...
أم علي تغني بالخارج..
الجميع يضحكون في سعادة وهي صامتة..
تُخرج الدجاجة أحشاءها...
تدمع عينا سنية..
تمسح دموعها ثم ما تلبث أن تلاحظ منظراً مبهجاً. كانت الأوزة قد خرجت من عشتها بصحبة صغارها الذين خرجوا من البيض البارحة, وقفت الأوزة عند الماء الملوث بالدماء والمتجمع على الأرض, مالت برأسها إلى الأسفل كي تتفحص الماء بعينها اليمنى, ثم تذوقته بمنقارها قبل أن يقلدها الصغار. تبتسم سنية..
كم تتمنى طفلاً صغيراً, ليس لأن سليم يضربها كلما سقط حملها فقد نفذ تهديده وسيأتي لها غداً بضرة على أي حال, ليس لأن الجميع يعيرونها ويقولون إنها كالأرض البوار وإنما لأن شيئاً ما بصدرها يرغب في احتضان مولود صغير تتلهى به عن كل شيء حولها.. طفل صغير يتشبث بملابسها ويجري خلفها.
"خلصي يا عروسة.. عشان نحنيكي"
تلقي  عزة جملتها في سخرية وتتردد ضحكتها في أرجاء المكان.. تلم سنية رجليها المكشوفتين, وتنهض عابسة فتلكزها عزة بسخرية.. على الفور يبدأ شجار لم يكن في حسبانها, تتقلبان في الماء وعلى دماء الدجاجة, تجري الأوزة في فزع وتهرب بصغارها, تنتفض الدجاجات أيضاً ويتوقف الغناء وضرب الدفوف, تجري النسوة في محاولة لإنهاء المشاجرة...
تدرك سنية أن صحتها لم تعد تحتمل, تتلقى الكثير من الضربات في بطنها وصدرها, وتخرج خصلات من شعرها في يد أخت زوجها قبل أن تمد يدها إلى الحجر الملقى على مدى ذراعها, وتضربها به فوق رأسها بوهن واضح.. تتألم عزة لكنها تقوم ممسكة بجبهتها دون أن تصاب بالكثير من الأذى.تقوم سنية من فورها, وتجري..
تجري.. ليس لأنها تخاف من بطش سليم الذي لابد سيضربها إن وقعت في يده, ليس لأنها ارتكبت جرماً بضرب عزة, كانت تجري فقط دونما تفكير في السبب.. قررت أنها لن تذهب هذه المرة إلى بيت أبيها فهو سيعيدها إلى سليم على أي حال, جال بخاطرها أن تترك القرية بأكملها... تستمر في الركض.. تزرع قدميها في الأرض السمراء النائمة على مد البصر, ويرتج بطنها في ألم.. تتوقف من فرط التعب وتستند على جذع نخلة عند جانب الحقل. يرتفع صدرها ويهبط..
تمر لحظات وهي واقفة وحدها تتأمل الحقول الخالية أمامها إلا من بعض حشائش قصيرة, لثلاثة أعوام كانت تنزل مع سليم لتنزع عن الأرض حشائشها, ثم تعدها كعروس لموسم الزراعة وكانت الأرض تأتي دائماً بالحصاد.. تنظر إلى السماء, تتمنى لو كانت كالتراب يزرع فيأتي بالحصاد ولا يتأخر..
تبكي, لو أنها رزقت بطفل لأصبحت سعيدة... لو أن حملها لا يسقط لما ضربها سليم ولما تزوج عليها وما استطاعت النسوة أن يعيرنها.. يتحول بكاؤها إلى نشيج, تشعر بدوار يتسرب لرأسها, تتعلق بجزع النخلة المهتز, مع الريح المندفع يسقط البلح ويرتعش شعرها.. بينما يتسرب خيط رفيع من الدماء بين قدميها..

أبريل 22، 2010

My mood

reunion__forehead_by_myducksayshowdy

تبعد ولا بانساك

ترجع لي باستناك

فارد إيديا تعالى

الدنيا ما تستاهلش

:)

اسمع الأغنية من هنا

أبريل 20، 2010

مبارك شعب مصر

But_dust____by_christians

كيف تسكت عن شعبك وهو يرقد في التراب؟

وعدك أن تخرج يا رحيم برّه مثل الضياء

ها أنا في الثغر واقفٌ رافعٌ قلبي لك

بالإيمان قلبي مبصرٌ, شعبي ملكاً لك

يا إله الحب والسلطان فلتغر على اسمك

لا يكن في وسط شعبك مذبحاً  لغيرك

من ترنيمة مسيحية

أبريل 19، 2010

دعينا نتمشى قليلاً.. إلى الأبد

41Ho78CsrBL
أهلاً بكم.. أقدم اليوم ترجمتي المتواضعة لقصة كورت فونيجت "دعينا نتمشى قليلاً.. إلى الأبد" أو Long Walk To Forever. القصة من مجموعته "مرحباً في بيت القرود" والتي تتصدر قائمة أمازون لأفضل كتب القصة على مر التاريخ, وأكثرها مبيعاً. كانت أول طباعة لهذه المجموعة في العام 1968, وقد نشرها كورت فونيجت في الصحف قصة قصة, لاعتقاده أن هذه القصص لا تكون مجموعة! يعتبر كورت واحداً من أكثر كتاب القصة القصيرة الأمريكيين تأثيراً في الساحة الأدبية في القرن العشرين.
أترككم الآن مع النص.. يمكنكم أن تنزلوه أيضاً بصيغة Pdf من خلال هذا الرابط. قراءة ممتعة.
دعينا نتمشى قليلاً.. إلى الأبد

كبرا كجارين على حدود أحد المدن وبالقرب من الحقول والغابات والبساتين, وتحت عيون  أجراس جميلة اعتلت برجاً لمدرسة للمكفوفين. هم الآن في العشرين من عمرهما ولم يريا بعضهما الآخر منذ عام تقريباً. كان دفء مريح لطيف يسود علاقتهما, لكن لم يكن بينهما كلام المحبين.
كان اسمه نيوت.. وكان اسمها كاثرين. مع بداية الظهيرة, طرق نيوت على الباب الأمامي لبيت كاثرين. جاءت إلى الباب وهي تحمل مجلة براقة كثيرة الورق كانت تقرأ فيها. كانت المجلة موجهة بالكامل للعرائس. قالت وهي مندهشة لرؤيته:
-    "نيوت!"
قال:
-    "هل يمكن أن نتمشى قليلاً ؟
كان نيوت شخصاً خجولاً حتى مع كاثرين. كان يخفي حيرته بأن يتحدث دون أن يمرر الكلام على مشاعره وكأن ما يهمه بالفعل لا علاقة له بما يتحدث به.. يتحدث كما لو كان وسيطًاً سرياً, وسيط سري يتوقف كثيراً بين مآرب جميلة وقصية وخبيثة بينما يبلّغ رسالته. كانت هذه طريقة نيوت في الحديث على الدوام, حتى في الأمور التي كانت تهمه بشدة.
تساءلت كاثرين:
-    نتمشى؟!
أجاب نيوت:
-    نحرك أرجلنا.. بين الأشجار, فوق الجسور..
-     لم يكن لدي أدنى فكرة أنك هنا في المدينة.
-    لقد أتيت للتو.
-    يبدو لي أنك لا تزال في الجيش.
-    بقي لي سبع أشهر أخرى في خدمتي.
كان نيوت عريفاً في سلاح المشاة.. بدا زيه مجعداً, وحذاؤه أغبراً. كان من الواضح أنه يحتاج لحلاقة ذقنه.. مد يده لالتقاط المجلة.
-    دعينا نرى هذه المجلة الجميلة.
أعطتها له:
-    إنني سأتزوج يا نيوت.
-    أنا أعرف.. دعينا نتمشى قليلاً.
-    أنا مشغولة بشدة يا نيوت. الزفاف بعد أسبوع واحد.
-    إذا ذهبنا للتمشية فإن هذا سيجعلك مشرقة.. عروس مشرقة.
قلّب أوراق المجلة:
-    عروس مشرقة مثل هذه, وهذه, وهذه. (قالها بينما يشير إلى العرائس).
تورد خدي كاثرين وهي تفكر في العرائس المشرقات.
-    سيكون هذا هدية لهنري ستيوارت تشيسنز إذا ما أخذتك للتمشية. سأعطيه عروس متوردة الخدين.
قالت:
-    أنت تعرف اسمه؟
قال:
-    راسلتني أمي. هل هو من بيتسبرج؟
-    نعم. حين ستراه ستحبه.
-    ربما.
-    هل.. هل ستستطيع أن تأتي للزفاف يا نيوت؟
-    أشك في هذا.
-    إجازتك ليست طويلة بما يكفي؟
-    إجازة؟ أنا لست في إجازة.
كان نيوت يتفحص إعلاناً من صفحتين لمشغولات فضية..
قالت:
-    ماذا؟
-    أنا الآن ما يطلقون عليه متهرب من أداء الواجب.
-    لا تقل ذلك يا نيوت!
-    هذه هي الحقيقة بكل تأكيد.. (قالها بينما كان ينظر في المجلة..)
-    لم يا نيوت؟
-    كان علي أن أختار نقش الفضة المناسب لك.
بدأ يقرأ أسماء النقوش الفضية من المجلة.
-    أمبارل؟ هيثر؟ ليجيند؟ رامبلر روز؟
رفع بصره إليها وابتسم:
-    أخطط لأن أهديك أنت وزوجك ملعقة.
-    نيوت.. نيوت, أخبرني..
-    أريد أن أتمشى معك.
عصرت يديها في ألم..
-    نيوت.. أنت تكذب علي بشأن هروبك من الجيش.
قلّد نيوت صوت سارينة الشرطة بصوت خفيض, ورفع حاجبيه.
قالت:
-    أين.. من أين هربت؟
-    من معسكر فورت براج.
-    نورث كارولينا؟
-    هذا صحيح. بالقرب من فايتفيل.. حيث تعلمت سكارليت أوهارا.
-    كيف جئت إلى هنا؟
رفع إبهامه, وأشار به كما لو كان يشير إلى سيارة كي تقف على الطريق السريع:
-    سافرتُ هكذا ليومين.
-    هل تعرف أمك؟
-    لم آت لرؤية أمي.
-    من جئت لتراه إذاً؟
-    أنتِ.
-    لماذا أنا؟
-    لأنني أحبك. هل يمكننا أن نتمشى الآن؟ نحرك أرجلنا بين الأشجار وفوق الجسور.."
بدءا في المشي في غابة أرضها بنية بلون الأرواق المتساقطة. كانت كاثرين غاضبة ومنزعجة وكانت على وشك البكاء. قالت:
-    نيوت, هذا جنون مطلق.
-    كيف هذا؟
-    هذا توقيت جنوني لتخبرني فيه بأنك تحبني. لم تتكلم بهذه الطريقة من قبل.
توقفت عن المشي.
-    دعينا نستمر في التمشية.
-    لا, لن نتقدم خطوة أكثر بعد هذا. لم يكن يتوجب علي أن آت معك على الإطلاق"
-    لكنك فعلتِ.
-    كي أخرجك من المنزل. إذا ما خرج أحدهم وسمعك وأنت تتكلم معي بهذه الطريقة قبل أسبوع من زفافي.."
-    ماذا سيظن؟
-    سيظن أنك مجنون.
-    لماذا؟
أخذت كاثرين نفساً عميقاً, ثم قالت:
-    دعني أخبرك أنني ممتنة جداً لهذا الفعل المجنون الذي تجشمته. لا أستطيع أن أصدق أنك هربت بالفعل, لكن ربما تكون كذلك. لا أستطيع أن أصدق أنك تحبني بالفعل, لكن ربما أنت تحبني.. لكن.."
-    أنا أحبك.
-    حسناً أنا ممتنة لذلك, وأنا مغرمة بك كصديق يا نيوت, مغرمة جداً, لكن التوقيت غير مناسب على الإطلاق
خطت مبتعدة عنه:
-    إنك حتى لم تقبلني مطلقاً
أخفت وجهها وراء يديها..
-    لا أعني أنك ينبغي أن تفعل هذا الآن. أنا أعني فقط أن ما تقوله لم يكن متوقعاً. ليس لدي أدنى فكرة عن الطريقة التي ينبغي أن أرد بها عليك.
-    دعينا نتمشى قليلاً, نقضي وقتاً لطيفاً معاً.
شرعا في المشي مرة أخرى:
-    ماذا توقعت أن يكون رد فعلي؟
-    كيف لي أن أعرف ما أتوقعه وأنا لم أفعل شيئاً  كهذا من قبل؟
-    هل كنت تظن أنني سألقي بنفسي بين ذراعيك؟
-    ربما.
-    آسفة لأنني خيبت أملك.
-    لم يخب أملي. لم أكن أعتمد على أن هذا سيحدث. ما يحدث الآن لطيف جداً. لنتمشى فقط.
توقفت كاثرين مرة أخرى.
-    هل تعرف ما الذي سيحدث بعد هذه التمشية؟
-    لا.
-    سنتصافح.. سنتصافح وننصرف كأصدقاء. هذا ما سيحدث.
أومأ نيوت.
-    حسناً.. تذكريني من وقت لآخر. تذكري كم أحببتك.
انفجرت كاثرين في البكاء رغماً عنها. أعطته ظهرها ونظرت إلى صفوف الأشجار اللامتناهية. قال:
-    ما الذي يعنيه هذا؟
-    غضب! (قالتها وهي تقبض على يديها.)  ليس لك حق في..
-    كان علي أن أتأكد إذا ما كنت تحبينني أم لا.
-    لو كنت أحبك كنت أخبرتك من قبل..
-    هل كنت ستفعلين؟
-    نعم.
قالتها وهي تتحول لتواجهه, بينما كان وجهها أحمر للغاية.
-    كنت ستعرف.
-    كيف؟
-    كنت سترى الحب. النساء لسن ماهرات في إخفائه.
نظر نيوت عن كثب إلى وجه كاثرين. أرعبها أن ما قالته كان صحيحاً, فالمرأة لا تستطيع أن تخفي حبها... في هذه اللحظة كان نيوت يرى حباً صادقاً في وجهها... وقد فعل ما كان عليه أن يفعله...
قبّلها.
عندما أفلت ذراعيه عنها, قالت:
-    لم يكن علي أن أسايرك. أنت شخص سيء يا نيوت.
-    أنا؟
-    لم يكن عليك أن تفعل هذا.
-    ألم تعجبك؟
-    ما الذي تتوقعه.. عاطفة ملتهبة فياضة؟
-    أقول لكِ على الدوام إنني لا أتوقع ما سيحدث.
-    ما سيحدث أننا سنقول وداعاً.
عبس قليلاً ثم قال:
-    حسناً.
-    لست آسفة على أنني قبلتك. كان هذا حلواً. كان ينبغي علينا أن نقبل بعضنا من قبل, لقد كنا قريبين جداً من بعضنا. سأتذكرك دائماً يا نيوت.. حظ سعيد.
-    حظ سعيد لك أيضاً..
ثم قال:
-    ثلاثون يوماً.
-    ماذا؟
-    ثلاثون يوماً في السجن. هذا ما تكلفه لي هذه القبلة.
-    أنا.. أنا آسفة لكنني لم أطلب منك أن تهرب.
-    أنا أعرف.
-    وأنت لا تستحق مكافأة بطل على هذه الفعلة الحمقاء على أي حال.
-    لابد أنه من اللطيف أن يصبح المرء بطلاً.. هل هنري ستيوارت تشيسنز بطل؟
-    ربما سيصبح إذا ما حانت الفرصة.
لاحظت أنهما بدءا يمشيان مرة أخرى, وبدءا ينسيان الوداع اللذان كانا مقدمان عليه.
-    هل تحبينه بالفعل؟
-    بالتأكيد أحبه! لم أكن لأتزوجه لو أنني لا أحبه!
-    ما الذي يجذبك إليه؟
-    بهذه الصراحة! هل تعرف كم أنت مزعج؟ هناك الكثير والكثير من الصفات الحسنة في هنري! نعم وهناك الكثير من الأشياء السيئة أيضاً. لكن هذا ليس شأنك. أنا أحب هنري, وليس علي أن أناقش مميزاته معك!"
-    آسف.
-    حقاً!
قبلها نيوت مرة أخرى. قبلها لأنها كانت تريده أن يقبلها..
أصبحا الآن في بستان كبير.
-    كيف ابتعدنا كثيراً جداً هكذا يا نيوت؟
-    لقد حركنا أرجلنا بين الأشجار وفوق الجسور.
-    الخطوات الوئيدة أقصتنا كثيراً.
رنت الأجراس في برج مدرسة المكفوفين المجاورة... قال نيوت:
-    مدرسة للمكفوفين.
قالت:
-    مدرسة للمكفوفين.
ثم هزت رأسها..
-    ينبغي علي أن أعود.
-    قولي وداعاً.
-    يتم تقبيلي في كل مرة أودعك فيها على ما يبدو.
جلس نيوت على عشب قصير تحت شجرة تفاح.
-    اجلسي.
-    لا.
-    لن ألمسك.
-    لا أصدقك.
جلست تحت شجرة أخرى وأغلقت عينيها.
-    أتحلمين بهنري ستيوارت تشيسنز؟
-    ماذا؟
-    تحلمين بزوجك المستقبلي الرائع..
-    حسناً سأفعل.
أغلقت عينيها بشدة وقلبت صوراً لزوجها القادم..
تثاءب نيوت. كان النحل يطن بين الشجر وقد نامت كاثرين على الأغلب. عندما فتحت عينيها وجدت أنه قد نام بالفعل. بدأ يغط بصوت خفيض. تركته كاثرين ينام لساعة, وبينما كان نائماً شعرت بأنه تعشقه من كل قلبها.
اتجهت ظلال أشجار التفاح نحو الشرق. دق الجرس ثانية وغنى طائر في السماء. من مكان بعيد, جاء صوت محرك سيارة يحاول القيام ثم يفشل, يحاول ويفشل.
مشت كاثرين من تحت شجرتها وجثت على ركبتيها إلى جانب نيوت. قالت:
-    نيوت؟!
-    امم
-    تأخر الوقت.
-    أهلا يا كاثرين.
-    أهلا يا نيوت.
-    أنا أحبك.
-    أنا أعرف.
-    فات الوقت.
-    فات الوقت.
وقف وتمطى بينما قال:
-    كانت تمشية لطيفة للغاية.
-    أعتقد هذا أيضاً.
-    هل يفترق الرفاق هنا؟
-    أين ستذهب؟
-    سأسافر متطفلا وسأسلم نفسي.
-    حظ سعيد.
-    حظ سعيد لك أنتِ أيضاً.. هل تتزوجينني يا كاثرين؟
-    لا
ابتسم وحملق في يدها للحظة ثم مشى بعيداً وبسرعة. شاهدته كاثرين وهو يتضاءل على المدى البعيد للظلال والشجر. كانت تعلم أنه إن توقف ونظر نحوها, إذا ما نادى عليها, فلن يكون لديها خيار.
وقد توقف نيوت بالفعل, ونظر نحوها. ثم نادى عليها..
-    كاثرين..
جرت نحوه ولفت ذراعيها حوله ولم تستطع أن تتحدث.
تأليف: كورت فونيجت             ترجمة: عمرو محمود السيد

أبريل 18، 2010

الاختلافات المتشابهة بين البشر

Visual_Analogy_by_Lillithia هناك دائماً خبرات مسبقة تمكننا من فهم الآخرين. فالإنسان يفهم العالم من خلال عمل بعض التعميمات. على سبيل المثال يرى الطفل الصغير الذي لم يتجاوز سنته الأولى كل شيء له شعر على أنه حيوان واحد, ومن الممكن أن يخاف من الأرنب والقط والفأر ومن فراء أي حيوان فقط لأنه مر بتجربة غير سارة سببها كلب.

ثم حين يكبر قليلاً يبدأ في عمل تصنيفات فرعية, فيرى كل الكلاب على أنها كلاب ينبغي أن يخاف منها, ويقترب قليلاً من الأشياء التي تبدو مختلفة مثل القطط والأرانب.

"البنات.. البنات.. صراصير البلاعات, اضربوهم يا ولاد بالجزم والشرابات"..

هذه الأغنية التي يمكن عكس كلماتها فتقولها البنات تنكيلا بالأولاد تبين كيف يحدث التمييز بين الجنسين منذ نعومة الأظفار.. هذا أحد الأمثلة لتعلم التعميمات, لا لإطلاقها فقط. فمنذ مرحلة مبكرة يتعامل كل جنس مع الآخر على أنه جاء من الفضاء, وبالتالي فهو يحتاج إلى تصنيفه, إلى عمل بعض التعميمات التي تشمله, أو تشمل بعض من المنتمين له.

في البداية يميل كل طرف إلى الانطلاق من تعميم واحد وهو أن الجنس الآخر مختلف تماما عن الجنس الذي يتبعه, ثم يجد أن هذا التعميم عام جداً فيميل إلى عمل تعميمات فرعية, لكن حين يقابله موقف صادم فإنه يرتد إلى مرحلة سابقة, أو ما يطلق عليه فرويد النكوص.. يرتد إلى مرحلة الخوف من الفراء, فيرى القطط والأرانب والفئران على أنها كلاب وكلاب فقط.. حين يحدث هذا يتصل إي تي بالفضاء, فتأتي فتاة لتقول جملة مثل "الرجالة (المخلوقات الفضائية التي لا تتبع جنس البشر) خونة, أندال, خنيق, عيال, لا يعتمد عليهم" أو أي شيء من هذا القبيل. أو تجد رجلاً يقول إن النساء "ما بيفكروش, ما بيحسوش, خاينين".. إلى غير هذا.

هناك اختلافات لاشك كبيرة بين النساء والرجال, لكن هناك أرضية واحدة تجمعهم, صفة مهمة جدا يتناسونها, وهي أنهم بشر..

والبشر ميزهم الله بالاختلاف عن سائر خلقه, وباختلافات شاسعة بينهم في الفكر والدين والشكل والتكوين النفسي, فلا يمكن أن ترى شخصين يشبهان بعضهما تماماً, وبالتالي فإطلاق التعميمات على أهميته له أثر سلبي كبير, وهو أن ترى جميع الأفراد على أنهم فرد واحد وهنا تحدث المشكلة فلا تستطيع التعامل مع العالم, لأن الرسائل التي ستحاول توصيلها ستذهب لعناوين أخرى, ولأفراد ليس لهم علاقة بالتعميمات الموجودة في عقلك.

الإنسان كائن متعدد الأبعاد.. دع القراءة الآن وفكر, هل يعتبرك البعض نذلاً؟ هل يراك البعض قليل القيمة؟ هل ينظرالبعض إليك على أنك عبقري؟ كريم؟ صادق؟ هل يراك أحدهم كذاباً؟ أنت لست أياً من هؤلاء ولا تنطبق صفة عليك انطباقاً تاماً من وجهة النظر الكلية, لأن ما يراه البعض صواباً يراه البعض خطأ, ولأنك تتصرف في المواقف المتشابهة تصرفات مختلفة لأنك من داخلك تتغير, فأنت لست عاملاً ثابتاً, أنت أكثر متغيرات التجربة رفضاً للضبط وأولها في عدم القابلية للثبات... وهذا ما يميزك.. ما يميز البشر.

لا يمكن للشخص أحياناً أن يفهم نفسه, فكيف يمكنه أن يفهم الآخرين؟ وكيف يمكنه أن يخرج تعميمات يطبقها على كل البشر؟ أو على طائفة كبيرة منهم؟

يمكن ذلك من خلال توجيه الذهن إلى البحث عن الاختلافات بين الأشخاص لا عن التشابهات بينهم. لا تبحث عن التعميمات في البداية, ابحث عن الاختلافات, هل هي كثيرة؟ هل تجعلك تفرق بين الأشخاص؟ أم أن وجود الفراء في الأرانب والفئران والقطط يجعلهم كلاباً.. كلاباً فقط؟