أكتوبر 31، 2009

308936 لم أستمتع في حياتي برواية استمتاعي برواية "الخروج من التابوت" ولم أستمتع بقصة استمتاعي بـ"الرجل". قرأت له ما يزيد على أربعين كتاباً كان آخرهم "الشفاعة" وشاهدت كل حلقات برنامجه العلم والإيمان التي عرضت على سنوات طويلة (400 حلقة تقريباً تم عرضها في فترة تجاوزت العشر سنوات). شكلت وجهته في العلم والدين والحياة الأساس الفكري لدي. استفدت من شكه ومن إيمانه, من إخفاقاته ومن نجاحاته, فكيف لا أحزن حين يموت؟

أفكر أحياناً أن كل من أعرفهم وتعلقت بهم سيتركون الحياة ويغادرون لأجد نفسي في دنيا لا أعرف فيها أحداً, وأعيش في ماض حبسته مجموعة من الصور وشرائط الفيديو..

أسألكم جميعاً الدعاء لمصطفى محمود.

أكتوبر 30، 2009

جمال بخيت

1375291265_a5efd1fc45 استيقظت هذا الصباح وأنا أريد أن أقرأ وبشدة قصيدة “مش باقي مني” لجمال بخيت. لا أدري لماذا أعود لهذه القصيدة بين حين وآخر, على الرغم من أني أرى بها بعض نواحي الضعف الفني. ربما أكثر ما يميز هذه القصيدة هو الصدق الذي يملأ أسطرها, وربما أعود إليها كثيراً لهذا السبب. أحب بشكل استثنائي بعض الأسطر التي ميزتها بالأحمر.

مش باقى منى غير شوية ضى ف عينيا
أنا هاديهوملك
وامشى بصبرى ف الملكوت
يمكن ف نورهم تلمحى خطوة
تفرق معاكي
بين الحياة والموت

مش باقى منى غير شوية نبض ف عروقي
خُدى.. وعيشى..
وافتحى لى تابوت
أفرح بريحة ورد فرعوني
وربنا ف عوني
اذا دخلت الجنة ولاّ النار
هاشتاق إلى ضحكتك
وقعدتى ف الدار
والقهوة متحوجة
من طيبة العطار..
ف كل يوم الصبح
باشرب حليب قبطي
وف النهار والمسا
بامسك ستار الكعبة لو سبتي
واثبت اذا هربتي
اهديكى عمرى وحسى وجوارحي
اهديكى جرحي
هو اللى باقى ف دنيتى لما خلص فرحي
مش باقى مني
غير شوية لحم ف كتافي
بلاش يتبعتروا ف البحر
بلاش يتحرقوا ف قطر الصعيد
ف العيد
بلاش لكلب الصيد.. تناوليهم
خدى اللى باقى من الأمل فيهم
وابنى لى من عضمهم
فى كل حارة مقام
وزورينى مرة وحيدة
لو كل ألفين عام
ألم الجراح يتلم
مش باقى منى غير شوية دم
متلوثين بالهم
مُرين وفيهم سم
كانوا زمان شربات
والنكتة سكرهم
شربتهم الخفافيش
فى قلب أوكارهم
مش باقى منى غير شوية دم.. مااقدرشي
اسقيكى.. مواجعهم
وبرضه مااقدرشي
أرميكى..
وأبيعهم
يمكن ف مرة تعوزى تطلبينى شهيد
هاحتاج يوميها الدم
يمضى على شهادتي
مش باقى مني
غير شوية قوة ف إرادتي
على شوية شِعر من خطي
حاسبى عليهم وانتى بتخطي
وانتى ف صبح الدلال
بتعطرى شطى..
مش باقى مني
غير شوية ضى ف عينيا
انا مش عايزهم
لو كنت يوم هالمحك
وانتى بتوطي
فى معركة مافيهاش
ولاطيارات ولاجيش
وانتى ف طابور العيش
بتبوسى إيد الزمن
ينولك لقمة
من حقك المشروع
مش باقى منى.. غير
شهقة ف نفس مقطوع..
بافتح لها سكة
ما بين رئة.. وضلوع..
ما بين غبار.. ودموع..
وانا تحت حجر " المقطم "
ف الدويقة باموت
انا.. والعطش.. والجوع..
يئن تحتى التراب
وانا صوتى مش مسموع..
ياحلمنا الموجوع..
من المرور ممنوع..
مستنى لما يمر
موكب سلاطينك..
مش باقى مني
غير شوية رحمة من طينك..
على شوية صبر من دينك..
مش باقى منى غير حبة غُنا تايهين
ف الضلمة مش لاقيين
حس الفواعلية..
ولا صوت مراكبى عَفي
فوق المعدية..
ولا صوت بناتى العذاري
فى كل صبحية..
والغنوة.. امنية
" ياما نفسى اقابل حبيبى..
وانا ع الزراعية "..
صوتك وصوتهم غاب..
وانا تحت حجر المقطم.. باموت لوحديا..
الليلة راحت عيوني
تطل ع البستان..
وجناين الرمان..
رجعت لى توصف عناد الغل والدخان
وسحابة سودا تضلل
على الغُنا الغلبان..
رجعت لى توصف هبوب الموت
على الالوان..
رجعت لى توصف..
.. خيال الذل..
ف موائد الرحمن..
مش باقى منى غير شوية كُفر بشروقك
وانا..
منبع الايمان..
مش باقى منى..
غير شوية ضى..
وعينيا
مش قادرة تلمحنى..
فى وحدتى محنى..
خايف أموت م الخوف
والضعف يفضحنى..
السجن عشش ف قلبي
وماشى ف شوارعك..
نفس اللى باعنى وخدعني
بالرخيص بايعك..
هاشيل حمولى انا
ولا هاشيل حملك؟!
ماعدت املك شيء..
فيكى.. ولا فيا
ولا قيراط ولا بيت..
ولا نسمة صافية تلاغى النيل بحرية..
مش باقى مني
غير شوية حب جارحني
ولا باقى مني
غير شوية ضى ف عينيا

الرقص متوقف على القدرة!

benbella-nasser-4 خرج أحمد بن بيلا الذي قضى ما يقرب من ربع قرن في السجون والمعتقلات ليجمع الشتات في الجزائر. من حسن الحظ أن تطابقت وجهته مع رؤى ناصر, فقد كانا يشتركان في إيمان عميق بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. خرج أحمد بن بيلا الذي لم يكن يتكلم العربية متوجهاً للقاهرة لمقابلة ناصر, ورفض أي علامة من علامات الترحيب لأنه كان يعتبر نفسه مصرياً! جاء أحمد لمصر طالباً المساعدة, فجهزه ناصر بالسلاح, وتوسط لدى الجانب الهندي لجلب المزيد من الأسلحة, وتوسط لدى الجانب السعودي فحصل منه على الأموال وتفويض بإنفاقها كمساهمة لإعانة الجزائر على القيام بثورتها في طريقها نحو الحرية.

قامت ثورة الجزائر مستلهمة خطواتها من ثورة يوليو, وأيدها المصريون في مظاهرات ضجت بها شوارع المحروسة. يقول الصحفي الجزائري ناصر الدين السعدي في مقال بعنوان "ناصر أكبر مجاهدي الثورة الجزائرية في عيون الاستعمار" أن هناك ثلاثة أسباب أساسية لقيام ثورة الجزائر من بينها: "وجود سند عربي قوي هو النظام الذي أفرزته ثورة 23 يوليو بمصر وتبنيه خطابا قوميا تحرريا مبنيا على المواجهة مع الاستعمار ووحدة الصف ودعم قوى النضال الوطني في كل مكان".
قامت الثورة ورفعت علم الجزائر الجديد الذي يرمز فيه الأبيض للسلام والأخضر للإسلام والنماء أما الأحمر فهو دماء مليون شهيد راحوا فداء الحرية.

في الأيام القليلة الماضية امتلأت المنتديات ومجموعات الرسائل الإليكترونية بصورة لعلم الجزائر تتوسطه راقصة مكتوب تحت رجليها: "ارقصي يا خضرا.. لأ مش قادرة". بالإضافة للكثير من الأفيشات التي تصور مباراة مصر والجزائر كحرب دامية, أو كما عبر أحدهم كفيلم "خادش للحياء". تتعالى الأصوات بسحق image003 الجماهير الجزائرية, والتآمر من أجل إقلاق اللاعبين بمجرد وصولهم لمصر حتى لا تكون لديهم فرصة للنوم وبالتالي يخسرون أمام المنتخب المصري. يتبادل المصريون رسائل إليكترونية وأخرى عبر المحمول تحذر من تواجد الأطفال والنساء والشيوخ في المدرجات, وتقول إن بلد المليون شهيد ستصبح بلد المليون شهيد والفريق الفقيد!! والحقيقة أننا أمام هذا كله نجد أنفسنا أمام سؤال واحد.. ما الذي حدث؟

الغريب أن هذه الروح العدائية نجدها لدى الجماهير الجزائرية أيضاً عندما نكون على أرضهم, والأغرب هو التفسير الذي نشرته صحيفة الجارديان بقلم برايان أوليفر. فقد حاولت الصحيفة أن تفسر وتؤرخ للعداء الكروي بين الدولتين بتلك المباراة التي حدثت بينهما في تصفيات كأس العالم (إيطاليا 90) والتي صعد فيها المصريون على حساب المنتخب الجزائري فجن جنون المشجعين الجزائريين وقذفوا المقصورة الرئيسية بالطين والطوب وهاجموا الحكم وأصابوا أحد أطباء المنتخب في عينه مما أفقده البصر جزئياً.

تقول الصحيفة أن أصل هذا العداء يعود إلى مشكلة سياسية كروية, بدأت مع امتناع مصر عن اللعب مع أحد الفرق الجزائرية التي كونها لاعبون جزائريون انفصلوا عن فرقهم في فرنسا, في محاولة لمساندة ثورة بلادهم!!

لا أعلم من أين جاء أيان هوكي -صاحب كتاب Feet of the Chameleon والذي نقل عنه برايان- بهذه المعلومة. لكن ألم تساند مصر الجزائر في ثورتها بجهود المخابرات, وبالسلاح, والمال, والرجال؟! ألم تختلط الدماء بالدماء والأصوات بالأصوات؟!

لا يبدو لي أن ما يحدث بين مصر والجزائر على المستويين الشعبي والرياضي من قبيل المصادفة, ولا أرى أن هذه المناوشات والحوادث الصغيرة تشعل النار بين شعبين مشيا معاً على طريق التخلص من المستعمر, وبذلا الكثير من أجل ما كانا يعتقدان أنه حرية.

مع هذا يبقى السؤال أمامنا كما هو بينما تستمتع شعوب العالم بالفرجة علينا وعلى ما وصلنا إليه من وحدة صف, ومن حرية.

العداء الدامي لدى المصريين هو نتاج طبيعي لثقافة الزحام التي نعيشها, ولتدني مستوى التفكير وعدم معرفة أبسط الحقائق التاريخية عن البلدين. فشعبنا لا يقرأ وينشغل أغلب أفراده بمحاولات إشباع حاجاتهم الفسيولوجية الأساسية. من الطبيعي جداً أن نصل لهذه الغوغائية ونحن بهذا الفقر, وهذا الجهل. من الطبيعي أن نصبح بهذه الغوغائية بعدما صارت أغنية العنب العنب أكثر شهرة وتكراراً من النشيد الوطني!!

أعتقد أن مصر أيضاً من حقها أن ترقص فرحاً بأبنائها.. هذا إن كانت قادرة!

أكتوبر 28، 2009

عزاء

Consolation_by_StacyLeeArt

"أبوك ما كانش ينفع يموت على سريره بعد الخير اللي عمله, ربك عايز يديله الشهادة..اصبر واحتسب"

هكذا قال لي الشيخ في قريتنا في اليوم الأول بعد الوفاة, فكتمت بكائي وصبرت.

ثلاثة أيام من الوقوف المتصل تمر ثقيلة متباطئة. أردد طول النهار جملة واحدة: "شكر الله سعيكم". ثم أصافح وأقبل وأحضن, يردون علي "عظم الله أجركم, سبحان من له الدوام".. وأرد "سبحان الدائم الباقي".

تبدو كلمات التعزية الروتينية بلا معنى. أترك المعزين و أقف خارج "دوار" العائلة, فأتذكر وجه أبي بين الكفن, وأراني وأنا أقبل جبهته الباردة, وأحتضن جثته وأبكي. ثم يدور المشهد داخل المسجد, فأرى المصلين الذين لم أدر بهم وقتها, وأستمع لصوتي وأنا أصلي بهم صلاة الجنازة وتختلط قراءتي الخفيضة بنشيج عال متصل. أحمل النعش معهم وأمشي على الجسر الترابي نحو المدافن. يمنعونني من النزول إلى القبر خوفاً علي من الصدمة, فأقف في سكون.

"اجمد.. انت دلوقتي مسئول عن أمك واخواتك".

"شد حيلك"

أكره تلك الجمل التي تشير إلى النتيجة ولا تذكر شيئاً عن الطريقة, لكنني أقرر بيني وبيني أنني أقوى من المصاب, وأنني سأضحك!

يمر اليوم كأي يوم ثم يأتيني أبي قبل النوم, أرى وجهه وقد هشمه القطار, وأسمع صوت جارتنا وهي تقول "أبوك ضربه القطر" ألهذا قلت أنك راض عني يا أبي؟ الآن فقط فهمت.

أغمض عيني, وأقرأ بعضاً من القرآن فأرى المسجد وصلاة الجنازة, وما يقرب من ألف نفس ينتظرونني على الطريق لمدة خمس ساعات هي المسافة بين قريتنا وبين القاهرة.

"ما حدش هايدفن أبويا غيري اللي مستعجل يروح".

تختلط الصور في ذهني فأرى أمي وهي تبكي بين كتفي, وأراني وأنا أمشي بين المنتظرين على الطريق, عيونهم معلقة بمشيتي: "هو ده ابنه.. لا حول ولا قوة إلا بالله"

أمسك القلم وأكتب في استمارة شهادة الوفاة:

اسم المتوفي: محمود السيد عبد النعيم.

سبب الوفاة: نزيف حاد بالمخ. نتيجة حادث قطار

اسم المبلغ: عمرو محمود السيد.

تبدو الكلمات أكثر سخرية من أي نص سمعته أو قرأته قبل هذا. لم يخطر ببالي من قبل أني سأدفن أبي أو سأحمل جثته أو سأكتب شهادة وفاته بيدي. ولم أعرف –سوى بعد أن رحل- أنني أعيش بروحين وأن لي صوتين, ولم أشعر -سوى بعد أن رحل- بأن ظهري قد تعرى وانكشف.

في كل مكان أذهب إليه تسبقني سيرته: "انت ابنه؟ أبوك خيره على الكل, ربنا يرحمه ويصبرك". أبي كان يسعى في خدمة الجميع وخيرهم, وقد حاول من عرف بوفاته أن يرد الجميل, فتم محضر الحادث حتى قبل تقرير الطبيب الشرعي, وتم إيقاف تسجيل الوفيات في مكتب صحة أول لمدة يومين حتى أذهب أنا وأبلغ كي لا يسقط قيده, وتمت باقي الأعمال الورقية دون أن أضع يدي فيها.

الغريب أنني لم أعد حزيناً عليه, بل على العكس أعتقد أنه الآن فقط استراح, وأشعر بالسعادة من أجله ويقتلني الشوق إليه. أستطيع أن أقول أن علاقة جديدة من نوع آخر بدأت بيني وبينه فأنا أعود إلى كل نصائحه, أتذكر كلماته كلها كأني أسمعها الآن وللمرة الأولى. صار فكرة في عقلي لا تفارقه, وصارت ذكرياتي معه مجموعة من الصور تتقلب أمامي بشكل مستمر.

الحياة أصبحت أكثر تعقيداً, وألماً, لكنني مع هذا مليء بالتفاؤل, والأمل..

أكتوبر 18، 2009

وهل أخبرتكم قبل هذا عن ابنة سويفت؟

لماذا نحب الأعمال الرومانسية؟ أعتقد أننا نحبها لأننا نرى فيها نجاحاً فشلنا في تحقيقه. إننا نرى حلماً أردناه يوماً في واقعنا ولم نحققه لسبب أو لآخر.

أفكر أحياناً في أن الحب ما هو إلا ضرب من ضروب الذل الإرادي وهدر الكرامة المقصود, يرتاده الفرد كي يودي باستقراره الانفعالي, فيربط أكثر أجزاء قلبه إيلاماً بوتر قوي يصله بمن يحب, فإذا ما غاب الطرف الآخر اشتد الوتر فقلق وتوتر, وإذا ما هجره وقرر الابتعاد, انتزع الوتر قلبه فأماته كمداً. هذا بالإضافة إلى أن الكثير من العلاقات العاطفية تتحول في أغلب الأحيان إلى نوع من العذاب المكرور المتصل يجعلنا لا نجد ملجأمن الواقع المؤلم إلا في الخيال.

مع كل هذا فأنا أحب كثيراً الكلمات التي تغنيها تايلر سويفت في أغنيتها الرائعة Love Story خاصة ذلك السطرالذي يقول ما ترجمته “إنها قصة حب فحسب يا حبيبي وما عليك سوى أن تقول نعم”. هل يمكن أن يتم حل جميع مشكلاتنا بهذه البساطة؟ جرب أن تقول نعم, لربما تحل :)

حسناً, هذه جرعة من الأمل الرومانسي المحلق لصوت أحبه وأعتقد أنكم ستحبونه أيضاً..

(ملحوظة: مش عارف ليه حاسس إني بقيت باكتب التدوينات كإنها مترجمة هههههه)

أكتوبر 17، 2009

عزازيل

The_aspects_of_Life_and_Death_by_meluseena واليوم, لماذا أخاف الموت؟ خليق بي أن أخاف من الحياة أكثر. فهي الأكثر إيلاماً! ولماذا تتفرق سحب الإيمان مني كل حين؟ إيماني مثل سحابات الصيف الرقيق, ولا ظل له. أنا لن أبني كنيسة أبداً, ولن تقوم فوقي كنيسة أبداً, لأنني لست صخرة مثل بطرس الرسول, ولأن إيماني مشوب بشكوك كثيرة.

يوسف زيدان. عزازيل..

أكتوبر 15، 2009

قهوة سادة... على المسرح

coffee شاهدت متأخراً جداً العرض المسرحي قهوة سادة والذي يعد نتاجاً لورشة الارتجال لأستوديو التمثيل بمركز الإبداع التابع لوزارة الثقافة المصرية..

قد أبدو للبعض كلاسيكياً جداً ومتحجر التفكير حين أقول إن العرض لم يعجبني على الإطلاق وإنني لم أر فيه مسرحاً من الأساس. فالعرض لا يقوم على أي بناء مسرحي معروف بل هو يخرج خارج قوانين اللعبة, فيعتمد في الأساس على مجموعة من الاستكشات التي لم يضعها مؤلف وإنما ابتدعها الجميع, أو نقلها بعضهم. بعض هذه الاسكتشات كان مقتبساً من نكات تقال في الشارع المصري كل يوم, وبعضها كان به الكثير من الفن والجرأة.

لا يعتمد هذا العرض على فكرة أساسية وإنما هي مجموعة من الأفكار التي يشرب عليها الممثلون بين كل اسكتش وآخر "قهوة سادة" (بينما كنت أشرب أنا قهوة سادة على روح المسرح الذي أعرفه). فيتحدثون عن الغنى الفاحش لرجال الأعمال, وتأخر سن الزواج, والهجرة غير الشرعية, والفتاوى المجانية, والخلجنة, ومشكلة رغيف العيش, والمحاباة في الوسط الفني, وتفشي الجهل وأشياء أخرى. ولكل مشكلة من هذه المشكلات اسكتش أو أكثر, ويربط بين هذه الاسكتشات كلها وقفة واحدة أصبحت سخيفة في منتصف العرض يشرب فيها الممثلون القهوة على صوت تسجيل للزمن الذي مضى يعكس مدى الاختلاف بين ماضي هذا البلد وما آل إليه الحال في وقتنا الراهن. لكن هذا الرابط الشكلي لا يحول العرض من مجموعة اسكتشات متناثرة إلى عرض مسرحي (طبقا لمفهوم المسرح قبل تقديم هذا الشيء).

يعتمد العرض على الصراخ والعويل بالدرجة الأولى, ولا أعرف كيف لم يصب المشاهدون بالصداع, ولماذا لا يخفض الممثلون أصواتهم قليلاً. لا أنكر أنني ضحكت من خفة دم بعض هذه الاسكتشات لكن هذا ليس دليلاً على أن ما قدم ينتمي للفن. فنحن نضحك من تصريحات عادل إمام, فهل تعد تصريحات عادل إمام ضرباً من الفن؟!

لاحظت أن ثلث المرتجلين من الجنس الناعم, وكانت وظيفة نصفهن على الأقل إطلاق التنهيدات والآهات والصراخ والعويل.

المشكلة أن هذا العرض لم يلق أي هجوم تقريباً, واحتفت به الجماهير المصرية, وناقشه مثقفوها, ولم يحاول أحد الاعتراض على ما قدم إلا باستحياء شديد. أشد ما غاظني أنهم قدموه أيضاً في الأردن ونجح!!!

كيف ينجح عرض مثل هذا لا يوجد به غير ضحك على أشياء نعرفها جميعاً؟ كيف ينجح عرض فني تجريبي لا وجود فيه لموسيقى تصويرية جيدة, ولا حبكة, ولا تسلسل درامي, ولا أي شيء؟ كيف ينجح عرض جمع كل مشكلات مصر كي يبكي عليها دون تقديم حل أو تنوير أو مفارقة أو نظرة فنية؟

بقى أن أتكلم عن بعض الأوجه الجيدة في العمل. فالمرتجلون به استخدموا كافة وسائل الإضحاك من خلال الكلمة والحركة والموقف, كما أن اللعب بالإضاءة كان موفقاً في أغلب الاسكتشات.