
"أبوك ما كانش ينفع يموت على سريره بعد الخير اللي عمله, ربك عايز يديله الشهادة..اصبر واحتسب"
هكذا قال لي الشيخ في قريتنا في اليوم الأول بعد الوفاة, فكتمت بكائي وصبرت.
ثلاثة أيام من الوقوف المتصل تمر ثقيلة متباطئة. أردد طول النهار جملة واحدة: "شكر الله سعيكم". ثم أصافح وأقبل وأحضن, يردون علي "عظم الله أجركم, سبحان من له الدوام".. وأرد "سبحان الدائم الباقي".
تبدو كلمات التعزية الروتينية بلا معنى. أترك المعزين و أقف خارج "دوار" العائلة, فأتذكر وجه أبي بين الكفن, وأراني وأنا أقبل جبهته الباردة, وأحتضن جثته وأبكي. ثم يدور المشهد داخل المسجد, فأرى المصلين الذين لم أدر بهم وقتها, وأستمع لصوتي وأنا أصلي بهم صلاة الجنازة وتختلط قراءتي الخفيضة بنشيج عال متصل. أحمل النعش معهم وأمشي على الجسر الترابي نحو المدافن. يمنعونني من النزول إلى القبر خوفاً علي من الصدمة, فأقف في سكون.
"اجمد.. انت دلوقتي مسئول عن أمك واخواتك".
"شد حيلك"
أكره تلك الجمل التي تشير إلى النتيجة ولا تذكر شيئاً عن الطريقة, لكنني أقرر بيني وبيني أنني أقوى من المصاب, وأنني سأضحك!
يمر اليوم كأي يوم ثم يأتيني أبي قبل النوم, أرى وجهه وقد هشمه القطار, وأسمع صوت جارتنا وهي تقول "أبوك ضربه القطر" ألهذا قلت أنك راض عني يا أبي؟ الآن فقط فهمت.
أغمض عيني, وأقرأ بعضاً من القرآن فأرى المسجد وصلاة الجنازة, وما يقرب من ألف نفس ينتظرونني على الطريق لمدة خمس ساعات هي المسافة بين قريتنا وبين القاهرة.
"ما حدش هايدفن أبويا غيري اللي مستعجل يروح".
تختلط الصور في ذهني فأرى أمي وهي تبكي بين كتفي, وأراني وأنا أمشي بين المنتظرين على الطريق, عيونهم معلقة بمشيتي: "هو ده ابنه.. لا حول ولا قوة إلا بالله"
أمسك القلم وأكتب في استمارة شهادة الوفاة:
اسم المتوفي: محمود السيد عبد النعيم.
سبب الوفاة: نزيف حاد بالمخ. نتيجة حادث قطار
اسم المبلغ: عمرو محمود السيد.
تبدو الكلمات أكثر سخرية من أي نص سمعته أو قرأته قبل هذا. لم يخطر ببالي من قبل أني سأدفن أبي أو سأحمل جثته أو سأكتب شهادة وفاته بيدي. ولم أعرف –سوى بعد أن رحل- أنني أعيش بروحين وأن لي صوتين, ولم أشعر -سوى بعد أن رحل- بأن ظهري قد تعرى وانكشف.
في كل مكان أذهب إليه تسبقني سيرته: "انت ابنه؟ أبوك خيره على الكل, ربنا يرحمه ويصبرك". أبي كان يسعى في خدمة الجميع وخيرهم, وقد حاول من عرف بوفاته أن يرد الجميل, فتم محضر الحادث حتى قبل تقرير الطبيب الشرعي, وتم إيقاف تسجيل الوفيات في مكتب صحة أول لمدة يومين حتى أذهب أنا وأبلغ كي لا يسقط قيده, وتمت باقي الأعمال الورقية دون أن أضع يدي فيها.
الغريب أنني لم أعد حزيناً عليه, بل على العكس أعتقد أنه الآن فقط استراح, وأشعر بالسعادة من أجله ويقتلني الشوق إليه. أستطيع أن أقول أن علاقة جديدة من نوع آخر بدأت بيني وبينه فأنا أعود إلى كل نصائحه, أتذكر كلماته كلها كأني أسمعها الآن وللمرة الأولى. صار فكرة في عقلي لا تفارقه, وصارت ذكرياتي معه مجموعة من الصور تتقلب أمامي بشكل مستمر.
الحياة أصبحت أكثر تعقيداً, وألماً, لكنني مع هذا مليء بالتفاؤل, والأمل..