أغسطس 31، 2009

أهذه أنتِ, أم أن عيني حولتا جميع النساء كي يشبهنكِ؟

love

Couple_by_Lady_Samurai_05.png

cuz we’re living in a world of fools
Breaking us down
When they all should let us be
We belong to you and me

أغسطس 30، 2009

فرحة

3asafeer وقفت الطفلة الصغيرة تبحث في وجوه الرجال في الجامع عن أبيها. تبكي كأنها لن تراه ثانية, وتجري بين المصلين ثم ما تلبث أن تقف أمام أحدهم وتمعن النظر فيه لتكتشف أنه ليس أباها فتجري مرة ثانية.

أنا أكره الأطفال الصغار كثيراً, ولا أعرف كيف أتعامل معهم على الإطلاق. حين يأتي إخوتي البنات إلى البيت ويتركن أطفالهن كي ترعاهم أمي أنزعج كثيراً, إذ تتحول حجرتي إلى جحيم, فلدى جميع الأطفال تلك الرغبة المتقدة في الاسكتشاف وتلك الحناجر "السوبرانية" ذات الأصوات القوية الحادة والتي لا يكفون عن تجريبها على مختلف النبرات العالية.

وقفت البنت أمامي. تأملتني للحظة, ثم أكملت نحيبها وجريها بين المصلين. كان صوتها حاداً جداً فلم أستطع أن أتحمله وهي تصرخ وتنادي قائلة:
-    "يا باباااا"

في الأيام الأخيرة لم أعد أستطيع النوم كما ينبغي وصارت الكوابيس تطاردني فأستيقظ قبل أن أنام, وهاهي الآن كابوس يتحرك على قدميه أتى كي يعذبني. أنا أتعذب كثيراً لمعاناة الآخرين, وهي تبدو كما المفجوع في أبيه أو أمه. عيناها الفزعتان رسختا في ذاكرتي فلم أعد أستطيع أتحمل أو أن أركز في خطبة الشيخ.

ربما علي أن أعترف أنني لم أعد أستطيع التركيز في أي شيء مهما كان بسيطاً.. هي ليس لها ذنب.

استمر بكاؤها, وكانت كلما بحثت أكثر زاد صراخها علواً, وعيناها احمراراً, وازداد صدرها علواً وهبوطاً. فكرت في أن على الشيخ أن يوقف الخطبة ويبحث لها عن والدها. ثم ما لبثت أن أدركت أن العالم لا يتوقف من أجل بكاء أو فقد, وأنه لو كان كذلك ما كنت أنا لأبقى في هذه الحال.

قمت من مكاني واتجهت نحوها, أمسكت يدها, فأشاح في وجهي أحد المصلين بيديه وقال إنني لا ينبغي أن أحضر أطفالاً لا يدركون إلى الجامع معي. كاد الرجل يسبني لولا مهابة المكان. نظر الجميع نحوي وهم يعتقدون أنني أبو الفتاة. توقفت قليلاً عند قدرتهم على الغضب وسكوتهم عن البكاء, ثم آثرت عدم المواجهة.

خرجت بها خارج المسجد, فازداد بكاؤها. أنا لا أحتمل كل هذا الوجع بطبيعتي, فكيف وأنا حزين؟ مع هذا فلم يكن أمامي وأنا أرى كل هذا النشيج سوى أن أورط نفسي في هذه المهمة التي لا أجيدها.

أخذت أتذكر ما كانت أمي تفعله كي تسكت أبناء إخوتي, وكيف كان أبي يتعامل معهم. اشتريت لها قطعة شيكولاتة, فرفضتها, وقالت إنها "عايزة بابا", ثم بكت أكثر.

احتضنتها, فكرت في أن الأمور لو سارت كما أردت لصار عندي طفلة في مثل عمرها. على الفور امتلأ عقلي بالكثير من الذكريات التي جاهدت حتى تجاوزتها.

وقفت بالصغيرة عند باب الجامع, وانتظرت أن يخرج المصلون, فربما يتعرف عليها أحدهم. كانت لا تزال تبكي, وأنا كنت ما أزال في حيرة من أمري, لا أعرف كيف أسكتها.

لا أعلم ما الذي جعلني أشير إلى تلك العصافير التي وقفت على أفرع الشجرة المواجهة للمسجد. تنبهت هي على الفور وصمتت عن بكائها للحظة, ثم ما لبث وجهها أن عاد إلى انزعاجه الأول, فاقتربت بها من الشجرة كي ترى كماً أكبر من العصافير.

فكرت أنها أصغر من أن تفهم أي من الحواديت, وأنني على أي حال لا أحفظ أياً منها. كان تفكيري مشتتاً كالعادة لكن الحاجة اقتضت أن أركز ذهني كي أجد لها حكاية تسكتها.

شعرت بصعوبة ذلك فلم أستطع أن أمنع نفسي من التأفف. أنا أشعر بالضيق الشديد منذ زمن, ولا أستطيع البوح به لأحد. وها أنا الآن وقد ورطت نفسي في مهمة تبدو مستحيلة. ها أنا أحاول التخفيف من حزنها, فمن يخفف حزني؟

نظرت إلى الصغيرة وقبلتها بين عينيها. أخبرتها أنني سأحكي لها حكاية, فبدأ الحماس يشغلها قليلاً.

رغم أنني لا أحفظ أي من الحكايات, فقد وجدت نفسي أحكي لها عن ذلك الولد الصغير الذي كان يخرج كل يوم مع أبيه إلى الحقل, فيرى العصافير وهي تطير في السماء, وينظر إلى السحاب, ويسأل أباه عن المكان الذي تذهب إليه العصافير في الليل فيخبره أنها تبيت على تلك الشجرة التي تتوسط الحقل. وكيف أن الصغير تسلق الشجرة في تلك الليلة كي يسلم على العصافير ويلعب معها, لكنه أخذ يتسلق ويتسلق حتى وصل إلى السحاب.
لم يكن يبدو عليها أنها تفهم كثيراً مما قلت, لكنها كانت تفهم جيداً الابتسامة المرسومة على شفتي ونظراتي وملامحي, كانت تقرأ مشاعري وتحس بانفعالي مع أحداث القصة.

حين سكت, زادت عيناها اتساعاً, وخفت أنا أن تعود إلى بكائها فأكملت. أخبرتها أن الولد الصغير الشقي تسلق حتى وصل إلى السحاب, وأنه رأى هناك بلاداً عجيبة, ورأى بنتاً جميلة مثلها تلبس فستاناً حلواً.

انتبهت إلى فستانها الذي لم يكن فستاناً بقدر ما كان قميص نوم. كانت الحمالات تسقط من على كتفيها فيسقط الفستان ويكشف عن جلد أبيض نقي. وكانت تعيده هي إلى وضعه الأول على الفور. نظرت إليها وابتسمت حين فكرت في إنها سوف تكبر وتصير أكثر جمالاً من حبيبتي, أو تلك التي كانت حبيبتي.

عدت إلى الحكاية فقلت لها إن الفتاة كانت تعيش فوق السحاب وتلبس فستاناً مثل فستانها, وكان الولد الصغير يتسلق الشجرة كل يوم كي يلعب معها ويعود إلى منزل أبيه قبل صلاة الفجر. وأن الأيام مرت, وكبر الولد, وكبرت البنت ومنعها أبوها من الخروج. فكان من الصعب على الولد أن يراها, وصار من المستحيل أن يقنع أباه بأن هناك فتاة يحبها وتعيش في قرية فوق السحاب.
كانت الخطبة قد انتهت وبدأ المصلون في الخروج. اقتربت من باب المسجد, وأركبتها فوق كتفي كي ترى الجميع ويرونها. لكن أحداً لم يتوقف أو يتلفت.
بعد ربع ساعة خفت من أن تعود إلى بكائها, فجلسنا في الظل تحت الشجرة, وأكملت حكايتي, قلت لها إن الولد لم يستطع أن يقنع أباه الذي قال له إنه مجنون, فحزن كثيراً, وحزنت الفتاة, لكنها انتظرته أن يعود.

تنبهت فجأة إلى أنني أحكي حكايتي التي تكفي لادخالي وإدخال أي شخص آخر في حالة بكاء متصل.

فكرت في أن علي أن أجد نهاية أجمل للحكاية, وقبل أن تطلب مني أن أكمل كنت قد أخبرتها أنه في ذلك اليوم بينما كانت الفتاة تعمل في الحقل, خلعت من الأرض تلك اللفتة العملاقة الكبيرة, فانكسرت الأرض/السحاب, ورأت فتاها يزرع في الحقل, وأنها نادت عليه فنادى أباه الذي لم يصدق عينيه.

لاحظت ابتسامة صغيرة على شفتيها, فقربت منها قطعة الشيكولاتة وأخبرتها أنني لن أستمر في الحكاية إلا إذا أكلت. قضمت الشيكولاتة فقبلتها, وأخبرتها أن الولد لم يهدأ وإنما أخذ أباه وتسلقا الشجرة وزارا منزل البنت الجميلة وأن زفافهما كان على أفرع الشجرة بين السماء والأرض وكان أغلب الضيوف من العصافير.

شعرت بعدما انتهيت من الحكاية بانفراج همي وأحسست بالأمل في أن تنتهي حكايتي في الواقع كما ابتدعتها في الخيال.

ضحكت هي وأخبرتني أن حكايتي حلوة, وشعرت أنا بالزهو والسعادة لأنني أخيراً عرفت أن أخرجها من حزنها. حملتها مرة أخرى على كتفي, واشتريت وجبة خفيفة لنا. كنت أضع الطعام في فمها, فتقلدني وتضع الطعام لي في فمي. كانت تنبهر كلما قضمت بفمي الكبير الطعام من يدها. تنظر كمن تستكشف ماكينة ضخمة لم ترها من قبل. وكنت أنا أقبل يدها الصغيرة, وأضحك حتى شعرت بانقباض في عضلات وجهي من كثرة الضحك.
عدت إلى الجامع قرب صلاة العصر, بينما كنت أتمنى ألا أجد والدها فترحل عني وترحل معها سعادتي بها. شكرت الله كثيراً حين تكرر معي ما حدث بعد صلاة الظهر.

عدت إلى الجامع مرة أخرى قرب صلاة المغرب وكانت هي قد تعبت من كثرة الضحك واللعب فأسندت رأسها على كتفي وتثاقلت عيناها استعداداً للنوم.
الطيور التي تركت بيوتها طول النهار كانت تعود إلى الشجرة في تلك اللحظات. انتبهت هي حين رأتها على الفور, وأشارت في فرحة بالغة إليها. شعرت أنا بفرحة كبيرة حين نادتني وأشارت بيدها وهي تقول
-    "العصافير يا بابا.. العصافير".

من التاريخ السري لعمرو السيد (2)

egypt-flag الحفاظ على صورة مصر هو أحد المسئوليات التي لا أجد من يقوم بها في البلد, فأقوم بها وحدي. كنت أمشي في وسط البلد حين ربتت يد على كتفي. نظرت إليه فإذا هو شخص أجنبي يسألني:

- مينينين زعبوط رمزيز؟

أخذت الكثير من الوقت قبل أن أفهم أنه يريد أن يذهب إلى رمسيس. قلت له

- عايز تروح ميدان رمسيس؟ إنت مسافر؟

لم يبد عليه أنه فهم, أراد أن أشرح له الطريق. لكن مثله سيحتاج إلى ألف سنة كي يفهم. بدا عليه أنه لا يريد أن يزعجني أكثر, لكنني حلفت عليه الأيمان المغلظة والطلاقات الثلاثية بأنني لابد وأن أوصله بنفسي إلى رمسيس. مشينا, فخطر ببالي أن نتحدث بالإنجليزية. قلت له:

- Where are you from?d

- From Malaysia. d

(بإنجليزية مكسرة وحروف مختلطة)d

تعرفون أنني من مواليد هونج كونج أساساً, وبالتالي فلا أعلم ما اللغة التي يتحدثونها هناك.

- How do you find Egypt? d

- Great Country, but there are a lot of robbers.d

جملة واحدة كانت في بالي "يا واقعة أهلك اللي مش فايتة.. إحنا حرامية يا..". لكن الرجل ضيف علينا, كان يجب علي أن أريه كيف نتعامل بأدب مع الضيوف, وأن أكشف له عن وجه مصر الحقيقي. لذا, قررت أن أكسر عينه بطريقتي, فلا يتحدث عن مصر إلا بالخير حين يعود لبلده.

ضغطت على "توكة" الحزام, ورفعت يدي إلى أعلى فلم يحدث أي شيء. بدا علي القليل من الإحراج, ثم رأيت أنه ربما من الأفضل أن أتخلى عن دوري السوبرماني للحظات. ربما علي أن أستخدم طرق الناس العاديين. لذا, توقفت عند أقرب عصارة, ودعوته لعدد 2 عبوة كانز من فئة الجنيهين, ثم أشرت للعلبة في يده وقلت له:

d “I bought it for you in order to say good things about us when you go back. This will help you say that you came and found us hospitable.. drink ya 7'abibi.. drink”.d

كان هذا هو محمد عازير الذي لم أتركه إلا بعد أن أوصلته الأتوبيس الذي يريد أن يركبه. أشار إلي بإبهامه وهو يركب قائلاً:

- عمرو.. إنت كويس كتير.

(هيييييييه.. أهو كله عشان خاطر مصر. بس يا ريت لو حد يعرف فين مصر دي يقولها إنها مديونالي باربعة جنيه)

سامانذا

مرة أخرى كنت أمشي في المحطة حين أوقفتني سيدة مبهرة الجمال, ولا عيب فيها إلا أنها طويلة وعريضة بما يجعلني أتضاءل أمامها حجماً. نظرت إلي وقد توسمت في علامات التميز والنبوغ والفهم وكل الأشياء التي لا يتسع المجال هنا لذكرها والتي قد أرفق بهذه التدوينة قائمة بها. قالت لي بصوت رنان:

- Is this train going to Luxor?d

لم أكن أعرف إن كان القطار ذاهباً إلى الأقصر أم إلى الجحيم, لذا قلت لها:

- Just give me a minute, I'll ask and be back.d

سألت سائق القطار فقال لي إنه ذاهب إلى أسوان. رجعت إليها وأخبرتها, فابتسمت (وما أدراك كيف ابتسمت هيههه) وشكرتني. عرضت عليها أن أحمل معها حقائبها إلى القطار فقالت لي:

- Thank you very much, and I can pay you if you want.d

هنا فهمت أنها لم تلحظ أي من علامات النبوغ والتميز, "انتي فكراني إيه بالظبط؟" هكذا فكرت. لكنني تداركت نفسي وقلت لها على الفور

- I am not doing this for money. It's out of duty. Egyptian man man mand.

أشارت لي أن أحمل الحقيبة الصغيرة, فانحنيت كي أحملها, لكنني لم أستطع أن أعود بظهري إلى وضعه السابق. نظرت إليها في قليل من الخجل وأخبرتها أنها قد ترغب في أن تحمل هي تلك الحقيبة. ضحكت (وما أدراك كيف ضحكت). اضطررت إلى الضغط على "توكة" الحزام,فتبدلت ثيابي على الفور إلى تلك الملابس السوبرمانية وظهرت لي تلك العضلات الكاوتشوكية. حملت حقيبتها التي عرفت بعدها أنها تزن 35 كيلو جراماً, ومشيت وهي تتبعني. سألتها:

- Where do you come from?d

ردت بلهجة مصرية خالصة..

- أمريكا..

(ده انتي شكلك من شبرا)

- From where in America?d

- Chicagod

قبل أن نصل إلى القطار, ذهلت عندما أخبرتني أنها لم تحجز تذكرة بعد. (هو انتي فاكرة هنا تسيب زي عندكم في بلادكم ولا إيه؟) قلت لها إن علينا أن نحجز ودعوت الله أن نجد تذاكر لها. فأشارت لي أن أجلس أنا بجوار الحقائب حتى تحجز هي وتعود.

ثم مر أكثر من نصف الساعة ولم تعد تلك التي لا أعرف اسمها. فكرت في أن هذه الشنطة الثقيلة لابد وأن بها متفجرات. هذا مخطط أجنبي لتدمير محطة القطار المتقدمة العبقرية التي ننفرد بها ونتباهى على كل الأمم. اتصلت بأحد أصدقائي الذي تصادف وأنه موجود بالمحطة. أخبرته بأن يقف بجانب المتفجرات حتى أعرف أين ذهبت ابنة مستر الرفضي هذه.

وصلت إلى شباك التذاكر فوجدتها تحاول جاهدة إقناع الرجل بأنها ذاهبة إلى الأقصر ومع ذلك فقد استخرج لها تذكرة إلى أسوان. لم يكن معها نقوداً مصرية فدفعت عنها وأعطتني هي الدولارت مكان ما دفعت. ثم عدنا إلى الحقائب فتهلل وجهها حين رأت صديقي, وقابلته كأنما نحن أصدقاء منذ ما قبل الديناصورات. خفت أن يعتقد الرجل أنني ألعب بذيلي في القاهرة. وبالتالي سيخبر أسرتي وأصدقائي بأشياء ليس لها أساساً من الصحة. تعمدت أن أسألها عن اسمها أمامه, فأجابت: سامانذا.

عرضت علينا الجلوس معها وشرب القهوة, لكنني كنت في عجلة من أمري. كانت سامانذا ستطير من الفرحة بعد أن أوصلتها إلى الرصيف الذي ستغادر عليه. كم هي موحشة الغربة, وكم هو جميل أن تجد من يساعدك في بلد لا تعرفه. أرادت أن تعطينا نقوداً فقلت لها:

- It's a free country hered

(أعني مجانية مستباحة, بينما أمريكا بلد الحرية) فهمت على الفور الدعابة وضحكت (وما أدراك كيف ضحكت).

كما ترون فقدري أن أعمل على الحفاظ على سمعة وصورة هذا البلد. ويبدو أنني أقوم بهذه المهمة وحدي, وبشكل جيد.

:)

هذه التدوينة مهداة لمن أوجعتهم بالتدوينة السابقة: إيزولد وديدي وواحدة من الناس.. ربما أنجح في رسم ابتسامة بدلاً من تلك “التكشيرة العابسة”.

أغسطس 29، 2009

تعود أن تموت

n12740820085_3152 الذهاب لساقية الصاوي له الكثير من الفوائد, ليس أقلها أن تتعرف على المبدعين من هذا الجيل. والمبدع الذي سأتحدث عنه اليوم لفت نظري في لقاء الأدباء منذ الوهلة الأولى. تعليقاته تدل على وعي كبير وقراءة مطولة للأدب شعره ونثره وللنقد أيضاً. لكنك حين تسمع شعره توقن أنك أمام مبدع بحق.

يبهرك عادل محمد بالطريقة التي يلقي بها قصيدته قبل أن يبهرك بكلماته. طريقته في الإلقاء تأخذك إلى لب النص. يعرف أين يقف ومتى يسكت. يعرف كيف ينتزع منك تصفيقاً مستحقاً.

حين علمت بديوانه الأول "تعود أن تموت", جذبني العنوان كثيراً. أردت أن أعرف لم قد يحتاج المرء التعايش مع الموت, وحين قرأت القصيدة التي تحمل عنوان الديوان فهمت. يقول عادل "اني أرى أن التعود جزء كبير من الحب. وهذا التعود هو ما يؤلم في الفراق. لقد تعودت أن يكون أول من يواسيك, وأول من يشاركك فرحك ومشاريعك وأحلامك, وتعودت أن تضعه قاسما مشتركا في أخص ما يخصك, وتعودت أن ترى في عينيه دمعك".

قبل أن أترككم مع القصيدة, لعادل ديوان آخر بعنوان"إليكِ يسير الطريق". يمكنكم شراء الديوانين من مكتبة البلد أو عمر بوك ستورز, أو ابحثوا على الإنترنت لتعرفوا أقرب الأماكن إليكم.

تعود أن تموت..

تعوّد أن تكونَ لديك

ككلّ الأخريات لديك

كأنّك لم تكنِ تهوى

ولم تجعل لها عينيك

كأنّ العمر كان سُدىً

وحبّك في ضمير الأيك

زرعتَ ربيعَهُ عشقاً

ليسقط في الخريف عليك

غداً إذ ما تقابلها

تمالك قلبك المهزوز

ورعشة صوتك الباكي

ونزفة حبّك الموخوز

توهّم أنّها أخرى

إذا معها الخيال يجوز

ستعرف من حلى يدها

الذي بالأمنيات يفوز

بعمرك كن حياديا مع الذكرى

مع ما كان ..

ما قد كان سوف يكون ..

ما لم – بينكم – يكنِ

ومرّ على رسائلها مرور الغافل الفطنِ

تنكّر وجهها المنثور فوق قصيدة الوطن

وسلها عنه في شغفٍ ويوم زفافها.. غنِّ

تعوّد لا تقل " نحن "

وعُد بضميرك المفرد

له حقّ امتلاك الحلم

وأنتَ عليك أن تشهد

وحيداً تحمل المأساة

ورغم حريقها تصمد

فقدت بكارةً معها

عساك اليوم أن ترشد

أغسطس 28، 2009

في سماء واحدة (2)

Moon_and_Sun_as_Lovers_by_bear48 عندما انفتح باب المترو وضعت قدمي فيه بينما عيناي مشغولتان بما في يدي. سمعت بعض همسات وهمهمات لم ألتفت إليها. انحنت الفتاة الواقفة بجواري قليلاً وقرأت اسم الكتاب الذي انشغلت به بصوت مرتفع:

- الرجال من المريخ, والنساء..

نظرت إليها في شيء من الدهشة.. وضعت يدها على فمها وضحكت قائلة بهمس:

- أهلا بك على كوكب الزهرة.

نظرت حولي فأكتشفت أنني دخلت العربة المخصصة للسيدات, قبل أن أستدرك ما حدث انغلق الباب, ورأيت كل الراكبات ينظرن نحوي بنظرات تتفاوت بين الاستنكار والاحتقار والقرف. انفلتت منها ضحكة أخرى, ونظرت أنا إلى الأرض في حرج.

تحرك المترو فجأة فاختل توازنها. مددت يدي لها, فلم تمسكها وإنما رجعت خطوة للخلف كي تمسك بالمقبض المعلق. انطلق قدر كبير من مصمصة الشفائف من أفواه السيدات المحيطات بنا. وتمنيت أنا لو أختفي, ثم أوليت وجهي صوب الباب, وراقبت صورتها المنعكسة على الزجاج. شاهدتها وهي تتحدث إلى الواقفات بجوارها, وباستمتاع شديد أخذت أستوضح في الهواء كلماتها, وأدقق في الزجاج كي أرى ملامحها. كانت تنظر بين الحين والآخر نحوي, فأشعر بالسرور يملأني.

بعد دقائق مرت سريعة جداً, توقف القطار وانفتح الباب فانتهت متعتي ووجدت نفسي مجبراً على التحرك والنزول. وضعت قدمي على الرصيف, فتحرك خلفي القطار ولم ألتفت.

في الطريق إلى المنزل لمت نفسي ألف مرة. كيف فوت الفرصة؟ كيف لم أعرف رقم هاتفها؟ عنوانها؟ أو حتى اسمها؟ ترى ماذا يكون اسمها؟

أستلقي على سطح المنزل, وأنظر إلى السماء المظلمة, أبحث عن شيء لا أعرفه, ربما هو الزهرة. أرجع إلى الكتاب.. لا يعجبني الكلام المكتوب فيه, فأتركه وأنظر إلى القمر. أجده وحيداً مثلي تبزغ من خلفه نجمات بعيدة وهو لا ينظر إليهن, ولا يلتفت. أضع كفي خلف رأسي, وأتذكر ضحكتها فأجد الابتسامة تعلو شفتي من فورها.

في الصباح, أقوم متأخراً على العمل, ألبس ملابسي بكل ما أوتيت من سرعة, وأخرج إلى الشارع, أبحث عن وجهها بين الوجوه التي أصادفها في طريقي, وقبل أن أهبط السلم إلى المترو أتذكر قمر البارحة فأرفع وجهي لأعلى. أشعر بكثير من سعادة لا مبرر لها حين أراه وقد التقى مع الشمس في سماء واحدة.

أغسطس 27، 2009

رمضان لم يأت عندنا

ramada في العام السابق, ذهبت إلى صلاة التهجد متأخراً قليلاً عن موعدها. كان المسجد قد امتلأ بالمصلين عن آخره. بل واصطف عدد لا يحصى من المصلين خارجه واقفين على سجاجيد وحصر فرشت على الإسفلت. نظرت إليهم وهم يقومون من السجدة الثانية في الركعة الأولى فهالني ما رأيت, وعلمت فضل صلاة الجماعة, أو ربما رأيت بنفسي فضلاً من فضائلها. وقف الجميع في لحظة واحدة بعبارة نطق بها الشيخ. فحينما قال "الله أكبر" وقفوا وكأنما هم جيش أو مجموعة عسكرية مُحكمة التدريب. كان الشارع مظلماً مما جعلني أهاب الموقف أكثر. شعاع النور المنفلت من باب المسجد كان يكشف جانباً من المصلين, بينما لم يظهر على مد بصري سوى الرؤوس.

لي مع رمضان الكثير من الذكريات, كلها حلوة وواحدة منها مؤلمة. ففي تلك الليلة نمت بعد أن تمنيت على الله المغفرة, فرأيت في المنام أني أتوضأ. وعندما استيقظت تهللت فرحاً, وأحسست أن أجنحة تنبت وأن جلدي صار أنعم, وأنني أصبحت أخف حركة ووزناً. لكنني علمت بعدها بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الرؤية لم تكن تعني ما ظننت, وأن للوضوء فيها معنى آخر تماماً.

مع هذا فأنا أفرح حين يأتي رمضان. يتهلل قلبي ويتعلق بالسماء. أمتليء بأمنيات كثيرة, أغلبها لي وبعضها لغيري. أطلب من الله وقلبي موقن أنه سيستجيب.

أعلم أني أدعو كثيراً (عن جهل) بأشياء لو تحققت لأصبحت أتعس حالاً, وأضل سبيلاً. أعلم هذا, إلا أنني أنتظر من الله الاجابة, أو دلالة على أنه سمعني, إشارة على أن كلامي لم يخرج من جوفي ليحتل مكاناً مبهماً في الفراغ.

هذه السنة انتظرت رمضان, واشتقت إليه كثيراً, لكنه حين أتى زار الجميع ولم يزرني. كل ما أعرفه أنني اليوم أختلف كثيراً عن العام الماضي. فليس من تكدرت نفسه كمن حافظ عليها بيضاء نقية, وليس من عرف السوء كمن لم يعرفه, وليس من ظلم كمن لم يظلم, وليس من قسى قلبه كمن لم يقس.

أذهب للصلاة, فلا يرزقني الله الدعاء, وأعود كما أتيت. ربما ما حدث أن رمضان كشفني أمام نفسي, فجعلني أدرك أنني أردد كلمات عن الرضا بقضاء الله على شفتي بينما أنا في الحقيقة ساخط على قدري وحالي بلا مبرر. ربما يجب علي أن أرضى, وأن أذهب أنا إليه.

لماذا أقول كل هذا الكلام؟.. ربما لأنني رأيت الكثيرين يتحدثون عن اختلاف في طعم رمضان, عن تغير في الشارع وقلة في الزينات, عن اختفاء لعادات وظهور لعادات أخرى, عن اختفاء الفرحة المتعلقة بأشياء لا تمثل لي أي علاقة بالشهر. هؤلاء مصيبتهم أقل من مصيبتي فهم يرون أن الشهر قد أتى, بينما أظل أنا منتظراً منه أن يزورني.