سبتمبر 20، 2012
يوليو 19، 2012
يوليو 17، 2012
من التاريخ السري لعمرو السيد
عندما صعدت الطائرة من مطار القاهرة، أصبحت المنازل والعمارات تحتنا كمكعبات الميكانو التي تراكم عليها التراب، ثم ابتلعنا السحاب ورأيت أبي وهو يعبر الصالة ويقول جملته التي طالما كرهتها لكنني لم أبد له هذا: "وقد تسبق العرجاء". سمعت صوت والد فتاتي الأولى وهو يقول "ربنا يرزقك بواحدة أحسن من بنتي" وخيل لي أن الطائرة تعود بي إلى ماضيّ الذي حاولت كثيرا الفرار منه.
أبي الراقد في الفراش بعد النتيجة لأنني خذلته ولم أدخل كلية الطب، يرمقني بعين واهنة ويصر على أن ألتحق بكلية التربية، بينما أصر أنا على آداب لغة عربية، أتنازل أمام حزنه وأجعلها آداب لغة إنجليزية ثم بعد أسبوع أنزل على رغبته. لم أر نفسي يوما طبيبا ولا مهندسا ، وإن كنت أعرف تماما أنني أستطيع أن أنجح في أي من المجالين (على الأقل أزعم هذا). بينما كانت التربية بالنسبة لي كابوسا كبيرا فأنا لا أجد فيها علما ولم أقبض فيها على ما يفيد.
تقدم لي مضيفة شقراء الشعر منديلا مبللا كي لا تصاب بشرتي بالجفاف، أمسح به جبهتي وما بدا من ذراعي وأعطيه لأخرى، ثم أغرس جسدي في الكرسي مرة ثانية. أتذكر تلك الأيام التي كنت أرسم فيها جداول زمنية لليوم وللأسبوع وكيف كنت ألوم نفسي كثيرا إن ضاع الوقت. منذ أن بلغت العشرين عاما وأنا خائف من بلوغ سن الثلاثين دون تحقيق نجاح يرضيني، ويعوض أبي عن حزنه.
كانت الكتابة بالنسبة لي متنفسا لحالة من الصراع تغتالني كل يوم، حالة من القلق الوجودي كما يفضل أستاذي محمد عبد المطلب أن يسميها لكنني خلال السنوات الثلاثة الأولى من الكتابة كنت أكتب قصة كل أسبوع ليسمعها رئيس نادي الأدب (وقتها) فيمصمص شفتيه ولا ينبس نحوي بكلمة، كنت أعود إلى المنزل ونار تحترق بداخلي فأكتب قصة أخرى وهكذا. كانت رحلة الكتابة بالنسبة لي إبحارا بلا أمل في الوصول إلى أي شط.
على الرغم من كراهيتي الشديدة للتربية فقد استمريت في دراستي العليا لما يزيد على الثلاث سنوات درست فيها ما لا يقل عن 23 مقرر وبحثت خلالها عن جامعة أسجل فيها الماجستير لكنني لم أوفق في ذلك لا في محافظتي ولا في أقصى جنوب البلاد ولا أقصى شماله.
تركت التدريس على الرغم من أنني اجتهدت كثيرا فيه، كان الجميع يرونني مجنونا وكان الحزن ينسكب كل يوم من عيني أبي فيلهبني ويجعلني أقسو على نفسي أكثر وأكثر. أحببت الترجمة فعملت بها حتى تمكنت منها وقمت بإنشاء شركة لم أوفق فيها بأي شكل وجاء طوفان الثورة ليخسفها ويجعلني أخسر عاما كاملا من عمل مضن.
ربما لن أنسى ذلك الأسبوع الذي ضاع فيه كل شيء، حيث رفضني والدها، ربما لأنني لم أكن ناجحا بما يكفي،أو ربما لأنه خاف على ابنته الناجحة من الارتباط بفاشل مثلي، المهم أنه رفض. وأنا ألملم أوراقي وكتبي من مكتبي تمهيدا لإخلاء المكان وإغلاق الشركة كانت الدموع تنزل مني رغما عني على كل شيء، وكنت أكلم أباها في صمتي وأقول إنه على حق، ساعتها دق جرس الهاتف، كان مشرفي المرتقب يخبرني بأن الجامعة قررت إيقاف التسجيل بها لعام آخر.
من بين كل هذه الأحداث المأساوية ظهرت فتاة ملائكية داوت قلبي ولم تكترث لفشلي ولم يرفضني أبوها، بدأت أعمل بكل ما لدي لتعويض الخسارة المادية التي تسببت فيها الثورة، استلزم هذا عام كامل استطعت خلاله تسجيل الماجستير والانتهاء من الجانب النظري فيه، نجحت في نهاية العام في الحصول على بعثة للولايات المتحدة وانتهيت خلال الفترة نفسها من طباعة وتشر مجموعتي القصصية الثانية وروايتي المترجمة الثانية، ثم قررت التنازل عن البعثة لصالح حياة أفضل في الدوحة وعمل جيد في شركة من أكبر عشر شركات هندسية في العالم.
هبطت الطائرة، وتركتني كي أهرب من نفسي كل يوم بين الأبراج العالية والمباني الشاهقة والجنسيات المختلفة والشوارع التي لا تعرفني. صار لدي أغلب ما حلمت به بين ليلة وضحاها، وظيفة جيدة وراتب كبير وتأمين صحي ساري المفعول في أكثر من 20 دولة وإقامة في بناية فخمة، ومجموعة قصصية أعجب بها الكثيرون وتكتب عنها الصحف، ورسالة ماجستير اكتمل نصفها ورواية مترجمة على وشك الصدور وكتاب آخر مترجم. كنت قد انفصلت عن فتاتي الملائكية قبلها بأيام قليلة وكان الحزن يملأني لكن حين دقت الساعة الثانية عشر صباح يوم الأول من يوليو لعام 2012 شعرت بأنني مجهد للغاية وأنني كنت أجري لعشر سنوات. أتممت في هذه الليلة ثلاثين عاما وخفتت قليلا تلك النار المتقدة بداخلي، كان من الممكن أن تختفي تماما لو أن أبي على قيد الحياة، لو أن والد فتاتي الأولى على قيد الحياة، يا ليت الموتى يشعرون بالأحياء...
كتبها
عمرو
الساعة
6:43 ص
14
تعليقات
ديسمبر 18، 2011
طعام وابتسامة دافئة
ترك الظرف على الطاولة ثم قال وهو ينصرف إنه ينفذ وصية صديقي المرحوم. تركني ذاهلا حتى أنني لم أنتبه إليه وهو يصفق الباب خلفه ولم أقم معه بما ينبغي من واجب الزيارة.
مددت يدي نحو الظرف دون أن ألمسه, توقفت عضلاتي وعقلي فجأة وكأن كل ما في يحاول أن يستوعب...
- المرحوم؟ صديقي؟
هو ليس صديقي بالتأكيد, كل ما في الامر أننا جلسنا معا ربما مرة أو مرتين على مقهى البورصة, كانت المرة الأولى حين لم يجد لنفسه طاولة فاستأذنني في أن يريح كوبه على طاولتي. كان هذا منذ فترة ليست بالقليلة, تحدثنا بعدها ربما مرة أو مرتين, وتبادلنا تحية المساء في الشارع المؤدي للمقهى مرات عديدة.
ما الذي يمكن أن يتركه لي رجل عجوز يحتضر وأنا في الأساس لا أعرفه؟ بالتأكيد لن يكون ما تركه ذا قيمة, هوعلى الأغلب يريد مساعدة مادية لولده الذي في السجن, أو يريدني أن أزوره.
أفتح الظرف فأقرأ سطرا وحيدا كتبه بيد لابد وأنها كانت ترتعش:
"ممتن لك. أنت الوحيد الذي استمع لهمومي ومشاكلي باهتمام كبير".
أشعر بإحراج كبير من نفسي, في الحقيقة أنا لم أنصت له على الإطلاق, كنت أمثل الاستماع فقط, وكنت أسأله بعض الأسئلة بطريقة آلية بين الحين والآخر حتى لا يظن أنني سرحت بعقلي بعيدا عنه.
أتذكره وهو يقلب تذكرة القطار بين أصابعه في ذلك اليوم, كانت دموعه على خده وهو يخبرني عن رحلة العناء التي يقوم بها إلى الصعيد كي يرى ابنه لدقائق قليلة, زادت حدة بكائه وهو يقول إنهم سجنوه ظلما, ثم انهمك في سرد تفاصيل قضيته بينما كنت أنا أمثل الاستماع فقط. في نهاية حديثه كتب لي رقم هاتفه على ظهر التذكرة رغبة منه في التواصل معي, شكرت الله أنه لم يطلب رقم هاتفي, ابتسمت ثم أسرعت في الانصراف وتحاشيت الجلوس معه بعدها.
كان الظلام يغطي كل المسافات على جانبي الطريق تماما كما يغطي الموت الجانب الأكبر من الحياة. أشعرتني السيارات العجلى المارقة من حولي بقليل من الأنس, كان الجميع يتسابقون للحاق بصلاة العيد في قراهم ومدنهم وكانت رائحة الطعام الذي أعدته أمي نفاذة مسيطرة كسؤالها:
- ما دمت لا تعرف الرجل فلم أنت حزين إلى هذا الحد؟
ما أشعر به ليس حزنا بكل تأكيد, هو شعور بالشفقة فقط, وإن كنت لا أدري هل أشفق على الأب الذي رحل بائسا ووحيداً؟ أم على الابن الذي تنتظره أيام طويلة من الحبس والحزن؟ أم أشفق على نفسي أنا؟ ما أعرفه جيداً أنه لم يعد هناك مكان شاغر بداخلي, فأنا ممتليء بالموتى... أحملهم معي كل يوم للعمل, تثيرهم كلمات وجمل بسيطة من زملائي للخروج من داخلي فينتشرون بين المكاتب والدواليب, يخفون كل ما حولي ويعبثون بملفات الذاكرة فأعيش لحظة فقدانهم مرات ومرات قبل أن يقابلوني صدفة في طريقي للبيت, وقبل أن ينادي علي أبي وأنا داخل إلى سلم العمارة كي أحمل عنه ما اشتراه, وقبل أن يمسح يوسف البقال يده وهو يبتسم ثم يرفعها بالتحية, وقبل أن أقضي وقتا عصيبا أعيدهم فيه جميعا إلى داخلي...
أوقف السيارة عند استراحة على الطريق, أفكر فيما قاله المحامي وهو يترك لي الظرف, أفكر في المرحوم صديقي الذي لم أعرفه, أرشف قهوتي بينما يدور حديث بيني والمحامي في مكتبه... يعطيني تصريح الزيارة ويقول إنني لا ينبغي أن أخبر الابن بأي شيء, أهز رأسي موافقا, ثم أنصرف وبداخلي رغبة غير عادية في إخباره, ليس لأنه سيقلق مع انقطاع أبيه عن زيارته, لكن لكي يدعو له, لكي يحمله بداخله كاملا ونقيا كما أحمل أنا أبي والآخرين ربما يكون هذا هو المعروف الوحيد الذي أفعله لهذا الرجل.
أتخيل الابن خلف القضبان والستائر الحديدية وقت الزيارة, ترى كيف سأخبره؟ هل سأقولها كما جائني خبر أبي حادا وصادما؟
أبوك مات يا محمد.
أبوك توفي.
أبوك... تعيش أنت.
تبدو جميعها جملا صلبة تفتك بأي قلب أحب أم لم يحب. أفكر في تمهيد آخر:
أبوك كان رجلا طيبا
أصمت حين أنتبه إلى أن التمهيد يشتمل على الخبر, تنهب سيارتي الطريق, يختفي المقود وتصمت تكبيرات العيد التي بدأت تخرج من مساجد المدينة, يختفي الطريق نفسه وتنسحب بوادر النور التي كانت قد تسحبت فوق كل شيء, أجد نفسي في زنزانته, متوقعا زيارة العيد التي اعتدتها, وطعاما وابتسامة دافئة, وإطمئنانا إلى أن هناك من يهمه أن أعيش وأن أخرج.
أثبت نظارتي الشمسية وأنا بين الأهالي المنتظرين لموعد الزيارة, أقاوم ذلك الشعور داخلي الذي يدفعني لعدم التعامل مع أي مسجون أو قريب لمسجون, أبتسم حين أراه نسخة شابة من والده:
- أبوك بخيريا محمد كل ما في الأمر أنه قرر أن يلبى نداء الله هذا العام وحلفني أن أزورك بدلا منه.
- ....
- لم يخبرك بأنه سيحج؟
- ....
- ايييه, ربما لأنه لم يتوقع أن يختاروه في القرعة, اتصلوا به في اللحظة الأخيرة وقالوا أنهم وجدوا له مكاناً شاغرا.
نوفمبر 27، 2011
نوفمبر 03، 2011
رحمة
في الطريق الطويل المحبوس بين سورين عاليين, التفت العجزة والمحتاجون النائمين على الجانبين إليها. لم تكن ملابسها تدل على أنها غنية بأي حال, لكن ما حفز بعضهم إلى النظر إليها وربما القيام من مكانه هي تلك العربة التي تجرها سيدة عجوز والملأى بعلب العصير والحلوى والكثير من المخبوزات الجاهزة...
حينما اقتربت أكثر, بدا واضحا أن إحدى قدميها أطول من الأخرى, كانت تستند على العربة وتبذل مجهودا كبيرا حتى لا تنكب على جنبها, وكان فستانها الأصفر ذو الطابع البلدي طويلاً فاضطرت إلى أن تمشي على مهل وإلى الوقوف بين الحين والآخر لأخذ النفس ولإدخال خصلات شعرها الأمامية تحت طرحتها الخضراء المزركشة..
سرعان ما تحلق حولها الجميع... أرادت أن تعتذر لأنها لم تعد تستطيع أن تجلس أمام الفرن فتخبز بيدها كما كانت تفعل في السنوات السابقة, إلا أنهم بدوا فرحين بهذه الهدايا غير المعتادة بالنسبة لهم... وزعت كل شيء عليهم, واحتفظت ببعض ما في العربة لمن لم يستطع القيام منهم...
بينما دلفت من البوابة, كان طفلان يجريان خلف بعضهما في فرحة بالحلوى, وكان عجوزان يشربان العصير باستمتاع واضح, بينما جلست هي امام قبره وأجهشت بالبكاء...
كتبها
عمرو
الساعة
11:59 ص
10
تعليقات
أكتوبر 27، 2011
من التاريخ السري لعمرو السيد
في طريق العودة أشعر عادة بتعب كبير وتكون لدي رغبة غير عادية في النوم, فبعد القفز بين المواصلات من أجل الوصول إلى أكثر من محافظة للانتهاء مما تقتضيه دراستي ويقتضيه عملي أشعر بأنني لم أعد موجوداً تحت ملابسي وإنما يوجد بدلا مني شعور كبير بالتعب والإرهاق.
ما أن أرحت ظهري على الكرسي حتى وجدت أحدهم يطرق على كتفي...
- حضرتك مترجم؟
هكذا كان سؤاله الذي جعلني في قمة الاستغراب.
- أيوة
- طيب ممكن تشوف الاتنين دول عايزين ايه؟
كان الرجل يشير إلى سائح شديد الشبه بليونارديو دي كابريو حين يطول شعره ويعقصه, وكانت بجانبه فتاته التي تبدو أمريكية من أصل لاتيني. قلت لهما بالإنجليزية إن عليهما الحصول على تذاكر للقطار قبل الصعود, ورد السائح بأنه يريد الذهاب إلى الأقصر وأنهم قالوا له إنه يمكنه دفع ثمن التذاكر أثناء الرحلة...
- But as you see the train is very crowded. You will be very lucky if you find a vacant seat.
- Well, I guess we will be standing till we reach Luxor.
- No, you won't.
قلتها بينما كنت أخلي لهما المقعد الخاص بي, كانا محظوظان أن الراكب بجواري لم يأت فجلسا أغلب الطريق, بينما استمتعت أنا بالحديث مع بني جلدتي من المصريين...
مال علي الرجل الذي سألني السؤال الغريب في باديء الأمر...
- لولاك كانوا لاصوا!
- ده واجبنا... هم ضيوف عندنا.
على يميني كان راكباً ممتعضاً...
- تقوم وتقعدهم؟ دول أمريكان يا أستاذ... هما اللي ولعوا في العراق وأفغانستان.
رجل متدين عن يساري:
- لا يلام المرؤ على مروئته.
أنا:
- الشعب حاجة والحكومات حاجة.
الممتعض:
- ولو...
أتفرغ للاستماع لرجل عجوز بين العربات يتحدث في السياسة بالكثير من الأكاذيب وكأنه هو الوحيد الذي يعرف, الباقون كانوا ينظرون إليه بأفواه فاغرة, استرسلت أنا في حديث مع الرجل الممتعض عن تعاليم الإسلام ومعاملة العدو لندلف إلى الحديث عن مسلمي الأندلس فأكتشف أن الرجل قاريء نهم وباحث في التراث... يحدثني عن الزرقالي وطريقة قياسه لمحيط الأرض. ثم يحدثني المتدين عن يساري عن حياة المسلمين الأول, يهيأ إلي أن القطار تحول إلى قاعة علم.
يميل علي الرجل البسيط الذي ورطني مع الأمريكيين ويحدثني في السياسة وفي قدرة الشباب على تقلد الأمور في البلاد, أكتشف فكراً خفيا خلف ملابسه البسيطة, وأخرج من القطار شاكراً للظروف التي جعلتني ألتقي بهم, وبالتفكير في اختلاف ردود فعلهم عند اصطدامهم بمكون ثقافي لم يعتادوا على مقابلته في حياتهم اليومية.


