سبتمبر 06، 2009

فضيحة

In_the_Sink_by_THIS_IS_FRESH_HELL خرجت من فمها شهقة ذعر حين أدارت يدها مقبض الباب. بدا واضحاً أن المقبض يتحرك لكن لسان القفل ثابت في مكانه. كان صدري لا يزال يعلو ويهبط بينما كانت أطرافي كلها تهتز وجسمي يرتعش. قمت من مكاني وأدرت المقبض متوقعاً منه أن يعود إلى العمل. أخرجت سلسلة مفاتيحي وحاولت بيدي المرتعشة أن أدفع اللسان لكن هذا لم يفلح. كنت أعلم أن صحتي لم تعد كما كانت إلا أنني جذبت الباب بكل ما عندي..

أنفاسها بدأت تتزايد وتخرج معها شهقات صغيرة. صرخت بصوت منخفض..
-    اتحبسنا؟! يا فضيحتي.. يا فضيحتي.

ثم انخرطت في نوبة هيستيرية من البكاء, اندفعَت معها نحوي ووضعت يدها على يدي كي تساعدني في جذب الباب. كانت لا تزال فتية, جذبت بقوة فانخلع المقبض, وانهمرت من عينيها الدموع, ومن فمها نحيب حاد مرتفع.
صرخت أنا في وجهها وصفعتها صفعة واهنة مثلي, فارتمت على قدمي وهي تستجير بي مني, ثم رددت في حسرة:
-    قلت لك بلاش يا باشا.. يا باشا بلاش.. أروح فين من الفضيحة دلوقتي.

أخذت تلطم خديها بشكل متكرر وتصرخ, فضربتها مرة أخرى, ثم أمرتها أن تصمت وإلا فسوف أرسلها هي وأهلها خلف الشمس. لم تكن تستطيع أن تخالفني, فهي تعرف ما الذي سأفعله. لذا كتمت بكاءها وجلست على بلاط الحمام. ضمت قدميها إلى صدرها, ونظرت نحوي في هلع.

وقفت أنا أنظر إلى شعري الأبيض في المرآة, والوجه الذي لم يعد يشبهني. وضعت يدي على جيبي باحثاً عن المحمول. فتشت جيبي الآخر, ثم تذكرت أنني تركته في مكتبي قبل أن آتي معها إلى هنا. منذ متى وأنا أترك هاتفي؟ ضربت بقبضتي على الحوض وقد بدأ الضيق يتسلل إلي.

لم أعتد أن أفقد أعصابي في مثل هذه الظروف لكن هذه المرة تبدو أكثر صعوبة من أي مرة. فالساعة متأخرة وكل من بالشركة غادروها. لا يوجد سوى هذا الحارس الجديد الذي لم يتجاوز بالشركة سوى بضعة أيام. كيف أطلب منه أن يخرجني من هنا وأضمن أن يصمت؟ هيئته القروية تدل على أنه فلاح من النوع الخام, حين يراها معي سيدب الدم في عروقه وسينسكب لسانه بكلام عن العرض والشرف وتلك الخرافات.

ضايقني إحساسي العجز.. هل يأتي اليوم وأتوسل فيه لأبله يحرس شركتي ؟  وضعت يدي على الحوض, ثم أخذت نفساً عميقاً في محاولة مني لاستعادة ثباتي الأول. فكرت بعمق ثم قررت أنني سأستأجر من يقتله إن تفوه بكلمة. هم لن يشكوا في على أي حال, وستنتهي التحقيقات إلى لاشيء. هم لن يستطيعوا حتى مجرد استجوابي أنا الذي أتمتع بالحصانة.
مشيت إلى الشباك, وندهت بصوت مرتفع:
-    يا ثابت.. يا ثابت. انت يا حيوان.

كررت ندائي أكثر من مرة لكنه لم يرد. ذلك الحمار ترك البوابة ومشى. ربما اطمئن إلى أن غداً عيد الثورة والجميع في إجازة ولن يتمم عليه أحد, فقرر أن يذهب إلى بيته ويغط في النوم مع زوجته بينما أدفع أنا راتبه. هذا الحيوان القروي الساذج, سأفصله وأضرب أهله بحذائي القديم حين أخرج من هنا.
ركلت الأرض بعنف, ثم أدرت نظري نحوها.

كان جسدها ينتفض بين الحين والآخر وتخرج منها أنة لاهفة. نظرت إليها مندهشاً. لاحظت أنها تبكي وكأنما فعلنا ما لم يفعل. هل تريد ابنة العاهرة أن تلصق بي تهمة؟ هل ستخرج من هنا وتتعمد إحداث فضيحة لنفسها حتى تضغط علي وتتزوجني أو تحصل مني على تعويض كبير؟ هذا أبعد عنها من نجوم السماء, خاصة بعد أن انقضت أيام الشباب فعجزت وصرت مثل أختها الكبيرة.

أدير نظري عنها وأعود مرة أخرى إلى ذلك الذي ينظر إلي من المرآة. أتأمل فيه, ولا أستطيع الهرب من أسئلة مرسومة على وجهه: لماذا تتحرش بفتاة صغيرة بعد كل هذا العمر؟ لماذا تجبرها على أن تفعل شيئاً كهذا؟

يقتم وجهي. نحن لم نفعل أي شيء سوى القليل من التعري والقبل. أنت تعرف, هي شهوة الجنس التي تظل داخل الرجل حتى بعد أن يشيخ, وتبقى مستعرة بعد أن يعجز ويموت.

أطرق برأسي, ربما ينبغي أن أصدق مع نفسي ولو لمرة واحدة. الأمر ليس كذلك بكل تأكيد. أي شهوة تجعلني أقهر هذه المسكينة؟ وأي شهوة تلك التي تتحدث عنها يا عمر بعد أن تحطم قلبك وانكسر؟ أي شهوة تجدها, وأي متعة في الحياة بعدها يا عمر؟

حسناً, ربما هذا هو السبب فمنذ المرة الأولى التي رأيت فيها أمل عاملة البوفيه وأنا أرى في وجهها وجه سارة. ذلك الوجه الذي طالما بحثت عنه في وجه زوجتي قبل أن أطلقها وأتخلص منها. تمنعت أمل في البداية لكنني أجبرتها, لم أكن لأترك ذلك الوجه الملائكي يهجرني مرة أخرى.

أجلس على كرسي الحمام وأضع رأسي بين يدي. "من يا ترى فاز بك يا سارة؟ وهل مازلت جميلة كما كنت دائماً؟" ربما لو وافق أبوك على خطبتنا لتغير كل شيء, لكن الأبله أصر على ألا يزوج ابنته لخريج السجون, ووقفت أنت تنظرين ولا تتكلمي.

لكن لماذا لم تكن لديك الشجاعة الكافية كي تخبريه بأنك أنت السبب؟ لماذا سكت يا سارة؟ كنت دائماً ما تتكلمين عن مبادئ الثورة والديمقراطية وعن حكم الشعب للشعب, كنت تقولين أن الثوار لابد وأن يتحولوا لقياصرة إن لم يكبحهم شعبهم, وترددين أن ثورة العسكر في مصر تحولت إلى ملكية جديدة بعد ناصر, وأنا اقتنعت, ورضعت كلامك ومبادئك, ودخلت السجن وأنا أظن نفسي من الأبطال, وأني بهذا سأعجبك وسأقترب منك أكثر.

لماذا تخليت عني يا سارة؟ ألم تملئي رأسي بتلك الخرافات فجرينا في الشوارع نهتف في المظاهرات أن نعم للحرية ولتحرير المعتقلين. ألم أهتف معك أن كل الهم همنا وكل القضايا قضايانا؟ ألم نهتف من أجل الاستقلال في إفريقيا ومن أجل الثوار في الجزائر؟ فلماذا حين احتجت إلى فصاحتك سكت ولم تتكلمي؟

عادت أمل إلى النحيب مرة أخرى ولكن بصوت منخفض. ربما أشعرها صمتي بعجزي عن فعل أي شيء, فخافت أكثر, لذا عادت تكرر:
-    ما قلت لك بلاش يا باشا.. يا فضيحتي, يا فضيحتي.

نظرت إليها ولم أنهرها هذه المرة. أنا أيضاً كنت أخاف من الفضيحة ذات يوم, وتوسلت للطبيب ألا يخبر أبي. حاولت في البداية أن أقنعه بأنني أعاني من البواسير, لكن الدماء كانت قليلة بعض الشيء بالإضافة إلى أنه لاحظ الكدمات التي على وجهي. لم يستمر كثيراً في سماعي وإنما وضع إصبعه الغليظ في مؤخرتي فصرخت. كان يعلم أن الدماء المتجلطة في ملابسي إنما أتت من آثار التعذيب.. قلت له الحقيقة فكتم السر.

كتم الطبيب السر يا سارة وتفهم حالي, بينما أعطيتني أنت ظهرك ولم تتفهمي.

حسناً ها أنت تخدع نفسك مرة أخرى, من قال هذا الهراء. الطبيب لم يكن ليتكلم على أي حال, هو لن يرغب في الحديث عن شيء كهذا ولن يتورط فيه. وسارة لم تتخل عنك, ربما تخليت أنت عنها حين اختفيت بعد خروجك من المعتقل لأكثر من عام ثم عدت بذقن طويلة. ذقن غطت حتى منتصف صدرك لكنها فشلت في أن تغطي ذلك الشرخ الذي تركه الضابط في فتحة مؤخرتك التي مازلت ملتهبة.

كنت وقتها قد قررت أن البلد بلادنا بالقوة, وأن الحاكم طاغية. أكان عليها أن تذهب معك وأنت لم تعد أنت؟ أي وهم تخدع نفسك اليوم به.

ثم حين اعتقلت للمرة الثانية, أكان ينبغي عليها أن تترهبن حتى تعود؟ وهل عدت كما كنت يا عمر؟ أم عاد مكانك ذلك الأفاق الحليق يمشي بين الناس ويؤيد العسكر ويهتف باسم الثورة المجيدة, ثورة القياصرة؟

ألم تكن أنت من استخدم السياسة لصالحه فربح الرضا والمال, وأقام مشاريعاً تشير لها الناس بالبنان؟ ألم تكن أنت من خدع الفلاحين والعمال حتى جروا خلفك هاتفين بحياة الباشا عضو المجلس المرتقب؟ وحين وقفت تحت القبة ألم تتنكر لما قلته وجريت كي تنضم إلى الحزب؟

ها قد اغتصبت حقك من البلد, فلماذا تشعر إلى الآن بكل هذا السخط؟ ربما لو كانت معك ما فعلت هذا كله, وما وصلت إلى ما أنت فيه. ها قد خسرتها وكسبت أموالاً كثيرة وأصبحت من ذوي النفوذ فلماذا لا ترضى؟ لا تكرر ثانية ذلك الكلام الساذج عن أنك كنت تحب وأنها كانت النيل والأرض والقمر؟ كفاك ما حدث.. كفاك يا عمر.

تقف أمل وقد أيقنت أن ليس لي من الأمر شيء, أخرجت رأسها من الشباك وبدأت تنادي على ثابت بصوتها الحاد ثم عادت إلى الباب, وضعت يدها تحت عقبه وأخذت تشده لكن شيئاً لم يحدث.

انتبهت إلى أن الليل قد حل وبدأ الظلام يغزو المكان. فوجئت بأن مفتاح النور لم يكن داخل الحمام, فأخذت ألعن أم مهندس الديكور الغبي وأهل ذلك الكهربائي الحمار. ثم نظرت من شباك الحمام, فإذا في الخارج سماء وبدر ونجوم.

لم أكن قد رأيت هذه الأشياء منذ سنين, ولم أكن حتى أتذكر أنها مازالت موجودة.

ترتعد أمل وتستعيذ بالله مع تمام العتمة, ثم لا تجد أمامها سوى أن تقف إلى جواري في تلك البقعة التي يضيئها البدر. وقفت إلى جواري فصرنا كبطلين في مسرحية يسلط عليهما الضوء فلا يريا من الكون سوى وجهيهما. وكم أحب وجهك يا أمل, كم يذكرني بها لولا ذلك الخوف الذي لم أره مرة عليها.

أتحول تجاهها وأسألها عن سبب خوفها فتخبرتني أنها خائفة من كل شيء, من أهلها حين ستعود إليهم, ومني, ومن هذا المكان النجس الذي يسكنه الشيطان.

ضحكت حين ذكرت خوفها من أن يتلبسها شيطان وهي واقفة معي.. هل يعرف الشيطان نصف ما أعرفه, وهل رأى نصف ما رأيته أو ارتكب نصف ما ارتكبت؟

أنظر إليها وأتمنى لو أحيطها بذراعي بصدق ولمرة واحدة, فأقبلها وتشعر بين يدي بالأمان, ثم تعطيني نفسها عن رغبة لا عن خوف. مرة واحدة أتمتع بها دون إجبار وعنف يا أمل.. مرة واحدة يا وجه سارة المشرق الأبي.

إلا أنني غيرت ملامح وجهي على الفور كي تصير أكثر جدية وقسوة, لم أحتضنها وإنما سخرت منها وأخبرتها بأننا سنخرج من هنا كما تخرج الشعرة من العجين, وأن عليها أن تلتزم الصمت فلا تخبر أحداً بما حدث, وإلا فهي تعلم ما سيكون.

ترى ما الذي سيكون؟ وكيف سأخرج من هنا وعلى أي فضيحة. من المؤكد أن أهل الفتاة سيأتون للسؤال عنها, فإن استطاعوا أن يحضروا ثابتاً ويأتون به لهنا فسينكشف كل شيء. المصيبة الأكبر ألا يأتوا, فعندها سيكتشف أمري الموظفون في صباح بعد غد. سيرون صاحب الأخلاق والفضيلة متلبساً, وستخرج الصحف لتعلن أن رجل الأعمال الشهير والسياسي المحنك ضبط في الحمام مع فتاة البوفيه بينما كان يطارحها الغرام.

أعود للجلوس مرة أخرى على كرسي الحمام. أحاول أن أبعد نفسي عن التفكير فيما سيحدث. لو كان معي هاتفي المحمول ما كان حدث كل هذا. لابد وأن بطاريته قد نفذت الآن من كثرة الاتصالات, فغداً موعد الخطاب الذي سألقيه بمناسبة الثورة, ولابد أنهم يريدون أن يطمئنوا إلى أنني سأحضر. ينتظر الحزب  مني أن أمثل وأحكي حكايتي كرجل أعمال عصامي وسياسي بدأ من الصفر. وبالطبع سأحكي الحكاية كما يأتي على هواهم, فأكون للناس مثالاً حياً على الديمقراطية والعدالة التي تشمل كل الفئات. ترى هل سأذهب حقاً, أم سأقضي عيد الثورة المجيدة في الحمام, ثم أخرج منه كفأر مبلول داخ بعدما قضى يومين بلا طعام في المصيدة؟ اللعنة على ذلك الحمار الذي يدعى ثابت, سأقتله حين أخرج من هنا.

يقطع تفكيري صوت أقدام تمشي بالخارج.. أدب بيدي على الباب بشكل لاهث..
-    يا ثابت.. يا ثابت.

تقترب الأقدام أكثر, ثم يأتيني صوت رشاد.
-    انت هنا يا عمر بيه؟ ده أنا كسرت محمولك من كتر الاتصال, ولما ما رديتش قلت أشوفك في المكتب.

كانت فرحتي بمجيء رشاد كبيرة جداً, ألم أقل لك يا أمل إننا سنخرج منها. رشاد هو ساعدي الأيمن وأكثر من يكتم أسراري, وأول من أتوقع له أن يصل. هذا الولد هو تميمة حظي.
-    رشاد هات حاجة افتح بيها الباب بس من غير دوشة كتير.

أخرجت لأمل ما فيه النصيب وركبت السيارة إلى جانبه. بدت على خده ابتسامة ماكرة.. أخبرته أن لم يحدث شيء في الحمام وأنه لا ينبغي أن يفسر ما رأى بنية غير سليمة, ثم اطمأننت كثيراً حين قال إنه لم ير أي شيء وإنه إن كان حدث بالحمام شيء فهذه هي الصورة الطبيعية والمأمولة لتفاعل القيادات مع قوى الشعب الكادحة.

سبتمبر 05، 2009

حادث سعيد مروع

Right_here_waiting____by_onutzaC أفقت بعد أن غمر عطرها المركز أنفي, فتحت عيني فرأيت وجهها الصبوح اليانع ينظر مبتسماً. أغمضت عيني مقنعاً نفسي بأنني أحلم, فنثرت علي من زجاجة عطرها مرة أخرى.. انتبهت فإذا رأسي على فخذها, وأناملها تطرق على خدي, أنا الذي كنت أحلم طول العمر أن تعبر الطريق من أمامي مصادفة, فأقول لها منتشياً "صباح الخير"..

حملت رأسي بكفيها ثم ساعدتني على النهوض, وذبت أنا في "ألف سلامتها" التي لم تكن كأي "ألف سلامة" سمعتها من قبل. وضعت يدي عند ذلك الموضع المؤلم من رأسي.. فزعت حين رأيت بقعة كبيرة من الدم على قميصي.

ضحكت في دلال ثم نصحتني أن أنظر في المرة القادمة إلى درجات السلم وأركز فيها جيداً. شعرت أنا بخجل مؤقت. لابد وأنها تعلم أنها أجمل من أن أمنع عيني عنها, وأنها متمكنة مني. ستبدأ الآن في معاملتي كما تعامل القطة الفأر وقت الشبع, فتلهو وتتدلل ثم تنصرف فجأة وبلا سبب.

تخدرت وتجمدت في مكاني حين رفعت يدها ووضعتها على رأسي المجروح, الذي تدفقت الدماء نحوه على الفور. فكرت أنه من الأفضل أن أنسحب قبل أن تفعلها هي, يكفيني ما حدث على أي حال, فقد انكشف السر ولن أعرف أن أرفع عيني في عينيها مرة أخرى.

نظرت إليها في خجل, وشكرتها على تضميدها للجرح, ثم خطوت منصرفاً. لكنني ما أن استأنفت صعود السلم حتى وجدتني أتحول ناحيتها وأخبرها بأنني سأقع هنا غداً في نفس الموعد وأن رأسي سترتطم على نفس الدرج.

سبتمبر 04، 2009

من التاريخ السري لعمرو السيد (3)

The_Last_Battle_by_LASAHIDO العصي الغليظة تنهال علينا من كل جانب. أقارب الرجل خرجوا من الحقول ومعهم أقفاص معدة لتشوين الفاكهة وألبسونا الأقفاص التي كانت تخدش الجلد وتترك به عاهات مستديمة.. تحول العيد إلى معركة, وتحولت الرحلة إلى مجزرة كتلك التي أراها في الأخبار حين ينقلون صوراً من فلسطين المحتلة..

ربما علينا أن نعود بالشريط إلى الخلف قليلاً.. كنت أغني قائلاً: "لله يا جزاير يا وردة الروح.." وكان أصدقائي يغنون معي, فاليوم هو اليوم الأول من أيام عيد الأضحى, وقد اقترح أحد الأصدقاء (منه لله بقى) الذهاب إلى مزرعة جزيرة شندويل لقضاء اليوم وإقامة حفل شواء معتبر. كان علينا أن نمشي طريقاً طويلاً حتى نصل إلى المزرعة التي تبعد عدة كيلومترات عن الطريق. على الجانبين كانت أشجار اليوسفي تحيط بنا والجو كان صحواً ومثيراً للبهجة.

لكن يبدو أن الأغنية كانت ثورية قليلاً, أو أن نبرة صوتي الفيروزية (أنا الذي كنت دائماً ما أغني في كورال الأطفال في النادي الاجتماعي المجاور لنا) لم تعجب أحدهم. إذ جاء صوت غرابي النغمة من العدم ليقول..

- "وطوا صوتكم يا ولاد الكلب".

لم يقبل صديقي هذه الإهانة, وأطلق حنجرته مهدداً الرجل الذي لم نكن نراه بأن عليه أن يخرج ويريه نفسه إن كان يظن في نفسه ما يكفي من الرجولة. خرج الأخير وليته ما خرج. في البداية كنت أعتقد أن هذا هو طوله الطبيعي ثم لاحظت أنه يرتقي بعض سلالم طينية من الحقل الذي كان فيه, صاعداً إلى الطريق.. في لحظات كان أمامنا بشحمه ولحمه.. سد بشري كبير متحرك وفي يده "شومة" من النوع الأصلي المعتبر. لم يكن الرجل بحاجة إلى أن يتكلم ويزود عن رجولته التي كانت واضحة في كل شيء لا سيما ذلك الشنب العنقودي المتشعب. لم يكن بحاجة إلى أن يزود عن رجولته إلا أنه فعل.

كان معنا الكثير من الأطفال, وصندوق من زجاجات المياه الغازية فضلنا أن نبعدهم جانباً, وبدأت المعركة التي كانت متكافئة من جميع الجوانب ولم نخرج منها بأي إصابات.. إلا إذا كنا سنعتبر تلك الجروح والكدمات والرضوض التي انتشرت في وجوه وأجساد أغلبنا إصابات. لا أعلم حتى الآن هل كان الرجل بمفرده وأتى الفلاحون الذين ضربونا من الحقول المجاورة, أم أن الرجل نفسه تكاثر ذاتياً فأخرج أجيالاً من الفلاحين تضرب بكل شيء يمكن الضرب به دون حتى أن يسألوا أنفسهم عن السبب.

عدنا من حيث أتينا, وصورة واحدة في عقلي. صورة جدي الباشا قبل الثورة وهو يصطاد الفلاحين بدلاً من العصافير والغزلان. لعنت ثورة العسكر, تلك التي تسببت في ضياع مجد جدو الباشا, وتدهور الحال بنا إلى هذا الحد.

في قسم الشرطة, لم يرغب الصول في فتح المحضر. قال إنه لا يوجد بالقسم ورق فلوسكاب. أحضرنا له القلم والورق وأمسكنا بتلابيبه حتى فتح المحضر. الخطـأ لم يكن خطأ الصول على أي حال, إنما خطأ طه حسين الذي قال أن التعليم كالماء والهواء حتى تعلم أولاد الرعاع. أي والله.

كان من الواضح أن علاقة ما تربط بين الصول والوحش الذي اعتدى علينا, بعد ساعات وصل الضابط الذي كان لحسن الحظ والد أحد أصدقائي, وذهب معنا إلى موقع الجريمة وتم تظبيط الأمور. رجعت إلى البيت في تمام الثانية صباحاً, وقد انتهى اليوم الأول من العيد داخل مركز الشرطة.

الغريب هو ما حدث بعد هذه الحادثة, فبعدد أصدقائي كانت هناك حكايات تحكى داخل البيوت وكل منها مختلفة عن الأخرى, إلى درجة أن أحدهم كان يحكي لأبيه أنه هو الوحيد الذي ضرب وهاجم واستخدم الطائرات إف 16 لقصف مزارع البرتقال وتطهيرها من الفلاحين الخونة.

وطبعاً لأن الإنسان يعيش بمرارة واحدة كما يقول صديقي الشمسي فقد تبارينا أنا وأحمد في تحوير كلمات الأغاني للسخرية مما حدث.. أحفظ الآن بعض الكلمات التي كتبها أحمد وسأتحفكم ببعضها:

(على لحن أغنية محمد منير, نعناع الجنينة)

في يوم الجزيرة وجف وحده بثبات,
كلنا رجعنا ورا..
ما هو أصل الناس مجامات.
واحد مسكله جفص وإداله بيه ضربات
ضربة واتنين تلاتة وأربع خمس ضربات

صاحبنا جال عمي عميد وجرايبي ناس لواءات
واللي هايكلمني كلمة هادخله في متاهات
الراجل ساب الجفص وجال يا بيه سلامات
سلام واتنين تلاتة وأربع خمس سلامات

وفي أغنية أخرى..

الهيرو راح يحكي لابوه..
ويقول له أصحابه سابوه.

الهيرو, ملك جبار..
وغيره, جبان وحمار

وغير ذلك الكثير إلا أن الذاكرة لا تسعفني الآن بعدما تقدم بي العمر. أضحك كلما تذكرت هذا العيد, وأحن لتلك الأيام التي كنا نضحك فيها من القلب, وكنا نحول حتى اللحظات المؤلمة إلى شيء نسخر منه ونضحك عليه.

سبتمبر 03، 2009

Brain Storms

Brain_Storm_by_alexiuss The noted psychoanalyst Erick From once remarked that it's important not to jump too hastily to the conclusion that you're mentally ill, when indeed it may be the society around you that is ill. However, I came these days to realize that the question is a question of WHEN not of WHo. d

Sooner or later, those whose ideas and ambitions contradict or at least conflict with the norms and discipiline of their society will lose the power of the jellied mix in their craniums and will eventually go mad. We all have seen those poised high achievers at school who just lost their control over things and turned into a pitiful pile of complexes.d

Though still unable to define how, I seriously think about giving up my avidity to king-sized dreams. I know this is easier said than done. But, sometimes, ambitions should be terminated, and big stormy brains should be set to rest in peace. d

سبتمبر 02، 2009

بحيرة بجع

Swan_Lake_by_AntonellaB أدخل من باب الفندق فيبدأ لحن ذو نزعة شرقية, أحاول أن أتذكر اسمه, فلا أستطيع. أنظر إلى أحمد بجواري, فيعدل من نظارته ويرد دون أن أسأل:

- بحيرة البجع... تشايكوفسكي

أقف جامداً حين تأتين من الطرف الآخر للبهو. تمشين كحياة تدب في جسد المكان, تتحرك قدماك الناعمتان بصمت ووقار داخل فستانك الداكن المختلف, ومن خلف كتفيه أراك وأنت تضحكين بين صديقاتك. تنشرين المرح بينهن لكن أهدابك تفشل في إخفاء الحزن الكامن في العينين. تلتقي عينانا فنبعدهما سريعاً, بينما يتهادى صوت الكمان لينسجم مع اللحظة.

تقتربين, فيقترب قلبانا وتتصاعد الموسيقى بفعل دخول الآلات النحاسية والأبواق, يدور وجهانا نصف دورة مع اقترابك مني ثم ابتعادك. تهدأ الموسيقى وتستقر على صوت الكمان الناعس فتتشابك العينان ويصبح إفلاتهما أمراً شاقاً علينا.

يلكزني أحمد, فأخبره بأنك أنت, وأنني وصلت في بداية اللحن لكنني وصلت متأخراً, أو أن "روكفورد" ذلك الفاسد العابث هو من أتى مبكراً جداً فأصابك بشره.

يستعوض صديقي الله في عقلي, بينما أحول أنا وجهي ناحيتك وأرشف من بسمتك, ثم أنسحب استعداداً للرقصة التالية.

سبتمبر 01، 2009

القصة بين البساطة والاستغلاق

7f2a316aff30fb9155a30ca0029378c7 كتبت هذا المقال منذ ما يزيد على خمس سنوات ونشر لي في مجلة ورشة الإبداع. اليوم أنا أعيد نشره على الرغم من اختلاف نظرتي نحو القصة وعدم اتفاقي الحالي مع بعض ما جاء به. والحقيقة أنني لم أكتبه وحدي, لكن شارك معي في التفكير والصياغة أحمد الشمسي. ربما لم تأت الفرصة كي أشكر أحمد على صنيعه هذا, وعلى المقال الذي شارك فيه ونشر في النهاية باسمي. أحمد وحده سيقرأ هذا المقال ويتذكر أياماً وأحداثاً خاصة بنا.. بنا فقط, وهذه التدوينة مهداة له.

***

تميل التجارب القصصية الجديدة إلى الإبحار نحو الإبداع.. أو على الأقل نحو الجديد، لكن ما لا يراه البعض أن هذا الجديد قد يأخذنا بعيداً بعيداً حيث لا مكان للإمتاع الذي هو لب العمل الأدبي. فبين البساطة والاستغلاق يضيع ذلك الأخير وإذا أضفنا إلى ذلك تجنس القصة القصيرة بالأجناس الأدبية المختلفة، وتجردها من أركانها الأساسية نجد أن معالم هذا الفن تضيع أو على الأقل تخفت. ويأخذنا الإبداع الجديد – أو فلنقل الجديد – بعيدا عن الفن !
ومن أجل هذا الجديد قرر كتاب القصة التخلي عن عمق الحبكة وعن الصراع وعن الذروة وغيرها من الركائز لصالح "الومْضية"، فأنتج هذا ما يدعى "اللوحة القصصية" والتي يرى أنصارها أن القصة ما هي إلا صورة فوتوغرافية تصور منظرا لا حدثا.. وبهذا تهتم هذه الصورة بنقل الواقع كما هو ويصير الكاتب مجرد مراقب للوضع من بعيد... ليس له وجهة نظر أو فكر يود أن ينقله بخلاف ما يحمله "المنظر".

وربما يظهر كل هذا في نص القاص "وائل وجدي" (تداعيات):

طفل، يأكل شوكولاته بفرحة غامرة...
طفل يقضم كسرة خبز –جاف- ويتأوه من شدة البرد القارس...
طفل، يروي الأرض بدمائه الذكية...
...وعصفور، يطير من محبسه محلقا.......في المدى الوسيع...

من الواضح أن هذه القصص الومضية هي إبحار نحو اللافن وبالتالي نحو اللامتعة حيث تتسم هذه القصص الفوتوغرافية بتصوير لقطة من الحياة اليومية للناس وإضفاء القليل من المشاعر عليها فتبدو رومانسية أحيانا كئيبة أحيانا أو تبدو حزينة في الأحيان الأخرى لكن ذلك يسلب القصة عنصرا هاما في الإبداع الأدبي ألا وهو عنصر المفارقة  .. ومع بساطة اللغة يضيع كثيراً الإمتاع اللغوي .. وتستطيع أن تقول أن القصة في النهاية تأتي سطحية ذات بعد واحد أو اثنين على الأكثر كما أن عدم الالـتزام بمحدودية الزمن يوقع القارئ في هوة الوقت .


هذا عن البساطة فماذا عن الاستغلاق ؟
إن استخدام الصور المتراكبة والجمل المتقافزة والكلمات الهلامية غير ذات المعنى في كثير من الأحيان مع الإكثار من استخدام التراجع الزمني غير الممهد وغير المبرر أحياناً كل ذلك يؤدي إلى إغلاق بوابة الفهم مع احتفاظ المؤلف وحده بالمفاتيح ..!! وبهذا يصبح القارئ مشغولاً باللهاث خلف الصور والتراكيب المتقافزة فيتحول هدف القصة إلى إلقاء القارئ وسط متاهات اللافهم ,وحيث يضيع الفهم تضيع المتعة . حاول أن تتتبع المعنى في الفقرة التالية من نص القاص العراقي "جلال نعيم": (محاجر)..


لا بدّ وأن هراوته السوداء تتأرجح الآن بين أصابعه كميدالية تُغري بالعبث الطفلي على أجساد الدمى المتحركة التي يمتلك كل مفاتيحها كإله أودعَ أسرار الخلق في لحظة انفلاق القدرة واصطفاق الأكوان الهلامية التي توّجته على عرش الأجساد المعزولة الملفوظة كعلكة يابسة لصقتها طفلة بلهاء على قفا تخت المدرسة ونسيتها في حمّى فرحتها باحتشاد فوضى العطلة الصيفية الطويلة .

والاستغلاق له أيضاً أبواب أخرى ينفذ منها .. إليك مثلاً نصا للكاتب "وحيد الطويلة" بعنوان (فراشة) من مجموعته (كما يليق برجل قصير):

حينما قلت لأمي إن الفراشات التي حامت حولي وطرت وراءها تحولت إلى دبابير تقرصني, وإن قدميّ في الحلم غاصتا في المستنقع الآسن , وكدت أغرق على صوت ضحكة رجيمة لأصهاري , الذين أخذوا ملابسي معهم طعاماً لكلبتهم .
ربتت على فراشتي وحدقت في العشب الذي نما خفيفاً فوق الدرج.

فالاستغلاق في نص (وحيد الطويلة) يختلف عن سابقه في أنه اعتمد على الرموز أكثر من اعتماده على الصور والتراكيب.. ونحن – وإن فهمنا  بعض أو معظم الرموز– إلا أن "الفراشات" التي هي لب القصة لا تزال غامضة!

وقد يعتمد الاستغلاق على التكثيف الشديد وحذف بعض الجمل المفتاحية مما يجعل الفهم مستحيلا.. ويظهر هذا في فن الأقصوصة الذي لا يحتاج لتوضيح.

الخلاصة... أن القصة تتوه بين البساطة والاستغلاق ويراق دم الإمتاع فيها...ويتم تشويه معالمها والـتمثيل بها عن طريق دمجها بأجناس قد لا تضيف لها بقدر ما تأخذ منها ... أليست هذه إجابة كافية لسؤال: "لماذا يحجم الناس عن القراءة؟!"....

ولع جديد بالموسيقى

the_world_of_sorrow_by_webby85

كبر الصغير..

الآن فقط أدركت أنه قد كبر. أنظر إليه وهو يحرك الملعقة في طبق الأرز دون أن يأكل. أسأله عن سبب تأخره بعد انتهاء العمل, فلا يبدو أنه قد سمع ما قلت.

أكرر تساؤلي, فينتبه كمن عاد بعد طول غياب, ثم يقول كلاماً غير مقنع.

تبدأ الصورة تتضح في عقلي شيئاً فشيء. أتذكر كيف أنني حين ناديته بالأمس لم يجب, وأنه أصبح يبتسم دونما سبب. ترد الأفكار إلى رأسي كأنني لم أكن أنا من رأى وسمع. ثم تظهر ملامح الانزعاج على وجهي وتلاحظها زوجتي.

أنا أعرف هذه الأعراض, أعرفها جيداً. ففي الأيام القريبة التالية سيشتري الكثير من الزهور, وسيجّد عليه ولع شديد بالموسيقى. سيرتقي قلبه المبتهج إلى عينيه, وسيصير كل ما في الدنيا مصدراً لسعادته. ثم إنها في النهاية قد ترحل عنه فتترك روحه مستعملةبالية, أو تأخذه مني, فلا يبقى في البيت سوى أنفاس واهنة لعجوزين قالا كل ما يمكن أن يقال, وأصبحا خارج اللعبة. وهو في الحالتين لن يعود إلي.

تنقل زوجتي نظرها بيني وبين ابننا الوحيد في عجب متسائلة عما دهانا.. أقوم أنا من مكاني ويقوم هو, ويدخل كل منا غرفته.