فضيحة
خرجت من فمها شهقة ذعر حين أدارت يدها مقبض الباب. بدا واضحاً أن المقبض يتحرك لكن لسان القفل ثابت في مكانه. كان صدري لا يزال يعلو ويهبط بينما كانت أطرافي كلها تهتز وجسمي يرتعش. قمت من مكاني وأدرت المقبض متوقعاً منه أن يعود إلى العمل. أخرجت سلسلة مفاتيحي وحاولت بيدي المرتعشة أن أدفع اللسان لكن هذا لم يفلح. كنت أعلم أن صحتي لم تعد كما كانت إلا أنني جذبت الباب بكل ما عندي..
أنفاسها بدأت تتزايد وتخرج معها شهقات صغيرة. صرخت بصوت منخفض..
- اتحبسنا؟! يا فضيحتي.. يا فضيحتي.
ثم انخرطت في نوبة هيستيرية من البكاء, اندفعَت معها نحوي ووضعت يدها على يدي كي تساعدني في جذب الباب. كانت لا تزال فتية, جذبت بقوة فانخلع المقبض, وانهمرت من عينيها الدموع, ومن فمها نحيب حاد مرتفع.
صرخت أنا في وجهها وصفعتها صفعة واهنة مثلي, فارتمت على قدمي وهي تستجير بي مني, ثم رددت في حسرة:
- قلت لك بلاش يا باشا.. يا باشا بلاش.. أروح فين من الفضيحة دلوقتي.
أخذت تلطم خديها بشكل متكرر وتصرخ, فضربتها مرة أخرى, ثم أمرتها أن تصمت وإلا فسوف أرسلها هي وأهلها خلف الشمس. لم تكن تستطيع أن تخالفني, فهي تعرف ما الذي سأفعله. لذا كتمت بكاءها وجلست على بلاط الحمام. ضمت قدميها إلى صدرها, ونظرت نحوي في هلع.
وقفت أنا أنظر إلى شعري الأبيض في المرآة, والوجه الذي لم يعد يشبهني. وضعت يدي على جيبي باحثاً عن المحمول. فتشت جيبي الآخر, ثم تذكرت أنني تركته في مكتبي قبل أن آتي معها إلى هنا. منذ متى وأنا أترك هاتفي؟ ضربت بقبضتي على الحوض وقد بدأ الضيق يتسلل إلي.
لم أعتد أن أفقد أعصابي في مثل هذه الظروف لكن هذه المرة تبدو أكثر صعوبة من أي مرة. فالساعة متأخرة وكل من بالشركة غادروها. لا يوجد سوى هذا الحارس الجديد الذي لم يتجاوز بالشركة سوى بضعة أيام. كيف أطلب منه أن يخرجني من هنا وأضمن أن يصمت؟ هيئته القروية تدل على أنه فلاح من النوع الخام, حين يراها معي سيدب الدم في عروقه وسينسكب لسانه بكلام عن العرض والشرف وتلك الخرافات.
ضايقني إحساسي العجز.. هل يأتي اليوم وأتوسل فيه لأبله يحرس شركتي ؟ وضعت يدي على الحوض, ثم أخذت نفساً عميقاً في محاولة مني لاستعادة ثباتي الأول. فكرت بعمق ثم قررت أنني سأستأجر من يقتله إن تفوه بكلمة. هم لن يشكوا في على أي حال, وستنتهي التحقيقات إلى لاشيء. هم لن يستطيعوا حتى مجرد استجوابي أنا الذي أتمتع بالحصانة.
مشيت إلى الشباك, وندهت بصوت مرتفع:
- يا ثابت.. يا ثابت. انت يا حيوان.
كررت ندائي أكثر من مرة لكنه لم يرد. ذلك الحمار ترك البوابة ومشى. ربما اطمئن إلى أن غداً عيد الثورة والجميع في إجازة ولن يتمم عليه أحد, فقرر أن يذهب إلى بيته ويغط في النوم مع زوجته بينما أدفع أنا راتبه. هذا الحيوان القروي الساذج, سأفصله وأضرب أهله بحذائي القديم حين أخرج من هنا.
ركلت الأرض بعنف, ثم أدرت نظري نحوها.
كان جسدها ينتفض بين الحين والآخر وتخرج منها أنة لاهفة. نظرت إليها مندهشاً. لاحظت أنها تبكي وكأنما فعلنا ما لم يفعل. هل تريد ابنة العاهرة أن تلصق بي تهمة؟ هل ستخرج من هنا وتتعمد إحداث فضيحة لنفسها حتى تضغط علي وتتزوجني أو تحصل مني على تعويض كبير؟ هذا أبعد عنها من نجوم السماء, خاصة بعد أن انقضت أيام الشباب فعجزت وصرت مثل أختها الكبيرة.
أدير نظري عنها وأعود مرة أخرى إلى ذلك الذي ينظر إلي من المرآة. أتأمل فيه, ولا أستطيع الهرب من أسئلة مرسومة على وجهه: لماذا تتحرش بفتاة صغيرة بعد كل هذا العمر؟ لماذا تجبرها على أن تفعل شيئاً كهذا؟
يقتم وجهي. نحن لم نفعل أي شيء سوى القليل من التعري والقبل. أنت تعرف, هي شهوة الجنس التي تظل داخل الرجل حتى بعد أن يشيخ, وتبقى مستعرة بعد أن يعجز ويموت.
أطرق برأسي, ربما ينبغي أن أصدق مع نفسي ولو لمرة واحدة. الأمر ليس كذلك بكل تأكيد. أي شهوة تجعلني أقهر هذه المسكينة؟ وأي شهوة تلك التي تتحدث عنها يا عمر بعد أن تحطم قلبك وانكسر؟ أي شهوة تجدها, وأي متعة في الحياة بعدها يا عمر؟
حسناً, ربما هذا هو السبب فمنذ المرة الأولى التي رأيت فيها أمل عاملة البوفيه وأنا أرى في وجهها وجه سارة. ذلك الوجه الذي طالما بحثت عنه في وجه زوجتي قبل أن أطلقها وأتخلص منها. تمنعت أمل في البداية لكنني أجبرتها, لم أكن لأترك ذلك الوجه الملائكي يهجرني مرة أخرى.
أجلس على كرسي الحمام وأضع رأسي بين يدي. "من يا ترى فاز بك يا سارة؟ وهل مازلت جميلة كما كنت دائماً؟" ربما لو وافق أبوك على خطبتنا لتغير كل شيء, لكن الأبله أصر على ألا يزوج ابنته لخريج السجون, ووقفت أنت تنظرين ولا تتكلمي.
لكن لماذا لم تكن لديك الشجاعة الكافية كي تخبريه بأنك أنت السبب؟ لماذا سكت يا سارة؟ كنت دائماً ما تتكلمين عن مبادئ الثورة والديمقراطية وعن حكم الشعب للشعب, كنت تقولين أن الثوار لابد وأن يتحولوا لقياصرة إن لم يكبحهم شعبهم, وترددين أن ثورة العسكر في مصر تحولت إلى ملكية جديدة بعد ناصر, وأنا اقتنعت, ورضعت كلامك ومبادئك, ودخلت السجن وأنا أظن نفسي من الأبطال, وأني بهذا سأعجبك وسأقترب منك أكثر.
لماذا تخليت عني يا سارة؟ ألم تملئي رأسي بتلك الخرافات فجرينا في الشوارع نهتف في المظاهرات أن نعم للحرية ولتحرير المعتقلين. ألم أهتف معك أن كل الهم همنا وكل القضايا قضايانا؟ ألم نهتف من أجل الاستقلال في إفريقيا ومن أجل الثوار في الجزائر؟ فلماذا حين احتجت إلى فصاحتك سكت ولم تتكلمي؟
عادت أمل إلى النحيب مرة أخرى ولكن بصوت منخفض. ربما أشعرها صمتي بعجزي عن فعل أي شيء, فخافت أكثر, لذا عادت تكرر:
- ما قلت لك بلاش يا باشا.. يا فضيحتي, يا فضيحتي.
نظرت إليها ولم أنهرها هذه المرة. أنا أيضاً كنت أخاف من الفضيحة ذات يوم, وتوسلت للطبيب ألا يخبر أبي. حاولت في البداية أن أقنعه بأنني أعاني من البواسير, لكن الدماء كانت قليلة بعض الشيء بالإضافة إلى أنه لاحظ الكدمات التي على وجهي. لم يستمر كثيراً في سماعي وإنما وضع إصبعه الغليظ في مؤخرتي فصرخت. كان يعلم أن الدماء المتجلطة في ملابسي إنما أتت من آثار التعذيب.. قلت له الحقيقة فكتم السر.
كتم الطبيب السر يا سارة وتفهم حالي, بينما أعطيتني أنت ظهرك ولم تتفهمي.
حسناً ها أنت تخدع نفسك مرة أخرى, من قال هذا الهراء. الطبيب لم يكن ليتكلم على أي حال, هو لن يرغب في الحديث عن شيء كهذا ولن يتورط فيه. وسارة لم تتخل عنك, ربما تخليت أنت عنها حين اختفيت بعد خروجك من المعتقل لأكثر من عام ثم عدت بذقن طويلة. ذقن غطت حتى منتصف صدرك لكنها فشلت في أن تغطي ذلك الشرخ الذي تركه الضابط في فتحة مؤخرتك التي مازلت ملتهبة.
كنت وقتها قد قررت أن البلد بلادنا بالقوة, وأن الحاكم طاغية. أكان عليها أن تذهب معك وأنت لم تعد أنت؟ أي وهم تخدع نفسك اليوم به.
ثم حين اعتقلت للمرة الثانية, أكان ينبغي عليها أن تترهبن حتى تعود؟ وهل عدت كما كنت يا عمر؟ أم عاد مكانك ذلك الأفاق الحليق يمشي بين الناس ويؤيد العسكر ويهتف باسم الثورة المجيدة, ثورة القياصرة؟
ألم تكن أنت من استخدم السياسة لصالحه فربح الرضا والمال, وأقام مشاريعاً تشير لها الناس بالبنان؟ ألم تكن أنت من خدع الفلاحين والعمال حتى جروا خلفك هاتفين بحياة الباشا عضو المجلس المرتقب؟ وحين وقفت تحت القبة ألم تتنكر لما قلته وجريت كي تنضم إلى الحزب؟
ها قد اغتصبت حقك من البلد, فلماذا تشعر إلى الآن بكل هذا السخط؟ ربما لو كانت معك ما فعلت هذا كله, وما وصلت إلى ما أنت فيه. ها قد خسرتها وكسبت أموالاً كثيرة وأصبحت من ذوي النفوذ فلماذا لا ترضى؟ لا تكرر ثانية ذلك الكلام الساذج عن أنك كنت تحب وأنها كانت النيل والأرض والقمر؟ كفاك ما حدث.. كفاك يا عمر.
تقف أمل وقد أيقنت أن ليس لي من الأمر شيء, أخرجت رأسها من الشباك وبدأت تنادي على ثابت بصوتها الحاد ثم عادت إلى الباب, وضعت يدها تحت عقبه وأخذت تشده لكن شيئاً لم يحدث.
انتبهت إلى أن الليل قد حل وبدأ الظلام يغزو المكان. فوجئت بأن مفتاح النور لم يكن داخل الحمام, فأخذت ألعن أم مهندس الديكور الغبي وأهل ذلك الكهربائي الحمار. ثم نظرت من شباك الحمام, فإذا في الخارج سماء وبدر ونجوم.
لم أكن قد رأيت هذه الأشياء منذ سنين, ولم أكن حتى أتذكر أنها مازالت موجودة.
ترتعد أمل وتستعيذ بالله مع تمام العتمة, ثم لا تجد أمامها سوى أن تقف إلى جواري في تلك البقعة التي يضيئها البدر. وقفت إلى جواري فصرنا كبطلين في مسرحية يسلط عليهما الضوء فلا يريا من الكون سوى وجهيهما. وكم أحب وجهك يا أمل, كم يذكرني بها لولا ذلك الخوف الذي لم أره مرة عليها.
أتحول تجاهها وأسألها عن سبب خوفها فتخبرتني أنها خائفة من كل شيء, من أهلها حين ستعود إليهم, ومني, ومن هذا المكان النجس الذي يسكنه الشيطان.
ضحكت حين ذكرت خوفها من أن يتلبسها شيطان وهي واقفة معي.. هل يعرف الشيطان نصف ما أعرفه, وهل رأى نصف ما رأيته أو ارتكب نصف ما ارتكبت؟
أنظر إليها وأتمنى لو أحيطها بذراعي بصدق ولمرة واحدة, فأقبلها وتشعر بين يدي بالأمان, ثم تعطيني نفسها عن رغبة لا عن خوف. مرة واحدة أتمتع بها دون إجبار وعنف يا أمل.. مرة واحدة يا وجه سارة المشرق الأبي.
إلا أنني غيرت ملامح وجهي على الفور كي تصير أكثر جدية وقسوة, لم أحتضنها وإنما سخرت منها وأخبرتها بأننا سنخرج من هنا كما تخرج الشعرة من العجين, وأن عليها أن تلتزم الصمت فلا تخبر أحداً بما حدث, وإلا فهي تعلم ما سيكون.
ترى ما الذي سيكون؟ وكيف سأخرج من هنا وعلى أي فضيحة. من المؤكد أن أهل الفتاة سيأتون للسؤال عنها, فإن استطاعوا أن يحضروا ثابتاً ويأتون به لهنا فسينكشف كل شيء. المصيبة الأكبر ألا يأتوا, فعندها سيكتشف أمري الموظفون في صباح بعد غد. سيرون صاحب الأخلاق والفضيلة متلبساً, وستخرج الصحف لتعلن أن رجل الأعمال الشهير والسياسي المحنك ضبط في الحمام مع فتاة البوفيه بينما كان يطارحها الغرام.
أعود للجلوس مرة أخرى على كرسي الحمام. أحاول أن أبعد نفسي عن التفكير فيما سيحدث. لو كان معي هاتفي المحمول ما كان حدث كل هذا. لابد وأن بطاريته قد نفذت الآن من كثرة الاتصالات, فغداً موعد الخطاب الذي سألقيه بمناسبة الثورة, ولابد أنهم يريدون أن يطمئنوا إلى أنني سأحضر. ينتظر الحزب مني أن أمثل وأحكي حكايتي كرجل أعمال عصامي وسياسي بدأ من الصفر. وبالطبع سأحكي الحكاية كما يأتي على هواهم, فأكون للناس مثالاً حياً على الديمقراطية والعدالة التي تشمل كل الفئات. ترى هل سأذهب حقاً, أم سأقضي عيد الثورة المجيدة في الحمام, ثم أخرج منه كفأر مبلول داخ بعدما قضى يومين بلا طعام في المصيدة؟ اللعنة على ذلك الحمار الذي يدعى ثابت, سأقتله حين أخرج من هنا.
يقطع تفكيري صوت أقدام تمشي بالخارج.. أدب بيدي على الباب بشكل لاهث..
- يا ثابت.. يا ثابت.
تقترب الأقدام أكثر, ثم يأتيني صوت رشاد.
- انت هنا يا عمر بيه؟ ده أنا كسرت محمولك من كتر الاتصال, ولما ما رديتش قلت أشوفك في المكتب.
كانت فرحتي بمجيء رشاد كبيرة جداً, ألم أقل لك يا أمل إننا سنخرج منها. رشاد هو ساعدي الأيمن وأكثر من يكتم أسراري, وأول من أتوقع له أن يصل. هذا الولد هو تميمة حظي.
- رشاد هات حاجة افتح بيها الباب بس من غير دوشة كتير.
أخرجت لأمل ما فيه النصيب وركبت السيارة إلى جانبه. بدت على خده ابتسامة ماكرة.. أخبرته أن لم يحدث شيء في الحمام وأنه لا ينبغي أن يفسر ما رأى بنية غير سليمة, ثم اطمأننت كثيراً حين قال إنه لم ير أي شيء وإنه إن كان حدث بالحمام شيء فهذه هي الصورة الطبيعية والمأمولة لتفاعل القيادات مع قوى الشعب الكادحة.
