أين أنت ولماذا يظل هاتفك مغلقاً..
كان أحمد يلقي أحد مقالاته المتفجرة في إذاعة الصباح بالمدرسة العسكرية وأنا كنت طالباً في الأول الثانوي بينما كان هو في الصف الثاني. كل ما شعرت به وقتها أنه بعيد جداً. لم أفكر حتى في مجرد أننا قد نسلم على بعضنا. في اليوم التالي لا أدري ما الذي دفعني لأن أذهب وأسلم عليه. قلت له إني أكتب الشعر فابتسم. في نفس الأسبوع اتصلت به في منزله وأسمعته قصة كنت قد كتبتها اسمها "فرانكشتاين". ضحكت من قلبي لأول مرة في حياتي وعرفت معنى أن يكون لك حبيب.
لكن الأيام كما تجمع تفرق. كلما سافر أحمد أو تغربت أنا يشعر من يبقى في المدينة أن حبيبه قد هجره, ويشكو افتقاده. لما سافرت للقاهرة للمرة الأولى للعمل. أرسل أحمد ومصطفى لي جريدة موجهة لقارئ واحد. لن أنسى أنهم تكبدا عناء تصميم رسالة إليكترونية مثل صفحة في جريدة كي يطلعوني على أخبار الشلة التي يتزعمها الزعيم, أحمد الشمسي.
أحمد هو أخي الذي لم تلده أمي. حين تجدني في البيت وقد غلقت الباب وأخذت أضحك تعلم أمي أنني أتكلم مع الشمسي. عشت مع الشمسي أياما طويلة في محاولة لاستكشاف الجرافيك وتصميم مواقع الإنترنت. كنا نقضي أكثر من عشر ساعات يومياً في غرفتي بمنزلي أو غرفته بمنزله.
والدة أحمد هي أمي التي لا تراني ولا أراها. تخجل مني وأخجل منها. لا أعلم لماذا. هي مريضة هذه الأيام ويأكلني قلبي عليها. لكنني أكتفي بالاختباء خلف أستار هاتفي المحمول والسؤال عنها من بعيد. حين مرضت تمنيت لو كنت طبيباً كي أساعدها. وكانت هذه أحد المرات النادرة التي ندمت فيها على عدم دخولي كلية الطب.
حين أنشأ الشمسي مدونته "من وهج الشمس" قرأتها من وهج الشمسي. من يعرف أحمد يعرف أنه متوهج فعلاً. وكم اقتبست من نور أحمد وأطأت طريقي من كلامه. أحمد هو معلمي وصاحبي.
حين تقابل أبي مع والد أحمد في الجامعة قال له:
- نعمل إيه في الولدين دول.. يعني لو بنت وولد كنا جوزناهم.
حين توفى والد أحمد أصبت بحالة من التبلد. كيف أخفف عنه حزنه وأنا المصاب. لا أعرف كنت كالمخدر. لم أدر كيف أخفف عنه. اكتفيت فقط بالذهاب إلى السرادق والوقوف بجسدي معه. بعدها بسنوات اعتذرت له. وعرفت أنه كان يفتقدني مع أني كنت أقف بجانبه.
حين أدخل نادي الأدب بدونه يسألونني أين قرينك. وحين أمشي في الشارع معه يقولون لنا هل أنتما أخوان. بل أكثر من أخوين.
أحمد هو امتدادي العاطفي, وامتداد لعقلي. نفكر معا. ونقضي أغلب الليل ننتحب على حال البلد. حين يضحك أحمد يضحك قلبي وحين يكتئب أكتئب.
يكفي أن ينظر إلي أحمد كيف أفهمه. وحين نقول كلمات بسيطة ونضحك يستغرب المحيطون. فبيننا تاريخ من الحديث به الكثير من الإشارات المرجعية لمواقف تهلك من الضحك.
أمر هذه الأيام بمنعطف ينهك تفكيري وقلبي. أتمنى لو كان هنا معي كي ألقي رأسي على كتفه, ويحمل معي بعضاً من همومي. لكن القدر أنه هناك في أقصى جنوب البلاد وأنا في أقصى شمالها.
أتصل به لكن هاتفه مغلق دائماً.
أين أنت يا أحمد.. ولماذا يظل هاتفك مغلقاً.


