أبريل 11، 2009

سوداء عباءتك، لكن شعرك أبيض

Dad__by_crissroden في المساء, أتدثر بعباءتك التي أرخيت على كتفي عندما كنا واقفين على رصيف المحطة. يقتلني ألم أسفل ظهري. منذ أن نزلت السلم معي حاملاً حقائبي وألم الظهر يقتلني. البرد هنا قارس, أرتعش وأشم رائحتك في العباءة.

أتعرف أنت قاس حقاً. حجزت تذكرة سفري, وأوصلتني, وتجمد وجهك طول الطريق دون ابتسام ودون ألم, وحين أتى القطار ضممتني.

كم كنت قاسياً حين تشقق وجهك وابتسم, وحين استدارت شفتاك وقبلتا جبهتي؟ ولماذا قبل أن يتحرك القطار أعطيت ظهرك, ومشيت؟ كنت في الماضي تمشي وألهث خلفك, لماذا تمشي الآن بهذا البطء؟ ومتى انحنى ظهرك وتهدل كتفاك؟

سوداء عباءتك يا أبي لكن شعرك أبيض وحزنك أبيض.

أبريل 10، 2009

شاي والا


كان عم رمضان طويلاً, أسمر, ووسيماً إلى حد ما.


كل صباح, أستند على الحائط خلف الكنبة التي أمام البوفيه وأشير بيدي إشارة يفهمها. لم يعترض الرجل يوماً ولم يتأخر. كان يفهم على الفور ويأتي لي بكوب شاي وابتسامة. صحيح أنه لم يكن يجيد صنع الشاي كما أفضله, لكنه كان بارعاً في الابتسام. أذكر كيف جرى خلفي ذات مرة طريقاً طويلاً كي يعطيني أوراقاً نسيتها في المدرسة. كان فتياً رغم سنه, لحق بالسيارة وأعطاني الأوراق. حين كنت أجلس بين الحصص كنت أتفحصه. ثيابه تدل على أنه ابن عز. فالجلباب الصوفي الطويل والحذاء اللامع والشال العريض وكل شيء فيه كان يشي بأنه ليس فقيراً. بعد سنوات, وبعد أن قدم لي ما يزيد على ألف كوب من الشاي علمت أنه هو الذي تبرع بالأرض التي أنشئت عليها المدرسة. علمت بعد سنين أنني ضيف على من يصنع لي الشاي.

في عملي الجديد, يقدم لي الشاي رجل كبير السن, بطيء الحركة, شعره أبيض رمادي كسحاب يوم ممطر. اسمه عم عاصم. خجلت في أول يوم أن أطلب منه كوباً من الشاي. أتاني وأشار لي بيده تلك الإشارة التي كنت أشيرها لعم رمضان. ابتسمت..
- "أيوة, يا عم عاصم. بس أنا خايف أتعبك".

للشاي لغة إذاً.


في عيني عم عاصم أب وجد ودروب وسفر وحياة. في عينيه أيضاً بؤس وحزن وشقاء. في يومي الثاني بالعمل جاء مبكراً وفي يده فوطة نظيفة, أزال ما على مكتبي ومسحه وتمنى لي صباحاً جميلاً. مؤكد أنه سيكون جميلاً ذلك اليوم الذي يبدأ بوجهك يا عم عاصم. أشار بيده تلك الإشارة, فأجبت أن "نعم".


علمت من زملائي بالعمل أن عم عاصم كان يعمل مدرساً للرياضيات ثم ناظراً لأحد المدارس, وأنه أعير للملكة العربية السعودية وعاد منها منذ عشر سنوات ليسافر إلى إسبانيا. لا أعرف بالضبط ما الذي كان يفعله هناك لكنه سافر. حين قلت له ما عرفت, قال إن هذا صحيح. سألته لم يعمل عاملاً, إن كان يمكنه أن يعمل في وظيفة أفضل. أعطاني ظهره وقال أن هذا أمر شخصي يود حفظه لنفسه.
في كل نادي أو كافيتيريا, أدقق النظر في من يقدمون الشاي.. أعلم أن خلف كلماتهم القليلة حكايات وحكايات.


شاهدت منذ عدة أسابيع المليونير المتشرد أو Slumdog Millionaire, الفيلم الحائز على أوسكار (كل حاجة). يحكي الفيلم عن ساليم الذي يعمل عامل شاي أو "شاي وَالا" (بتفخيم اللام). بطل الفيلم شاب جاهل لا يعرف كيف يقرأ أو يكتب, لكنه مع ذلك يفوز بجائزة النسخة الهندية من برنامج من سيربح المليون. يفوز البطل- وهو الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة- بمليوني دولار فشل في الحصول عليها المثقفون وأساتذة العلم. وحين يُحَقَق معه ظناً من مقدم البرنامج أنه يغش, يبدأ البطل في سرد حياته فنعلم كيف أجاب عن الأسئلة. لست هنا بصدد نقد الفيلم الذي لا أراه مبهراً وإن كنت أقر بأنه فيلم جيد الصنع. لكن الإنسان طاقة, وأريد أن أعبر عن غيظي من أحد المشاهد. ففي الفيلم نجد أخا البطل (وهو بلطجي درجة أولى) يصلي صلاة المسلمين لله كي يغفر له ذنوبه, ثم يخرج كي يروع الآمنين. صورة تكررت في الكثير من الأفلام الأمريكية والبريطانية على السواء. ولا أعلم كيف ينال الأوسكار فيلم أساء فهم شعوب بأكملها.

تعلمت خلال الفترة الماضية أن لكل شخص حكاية. كنت أعرف ذلك لكنني لم أكن قد رأيته.

مارس 03، 2009

واحة الغروب

art1_462416 أعرف أن ما أكتبه الآن عن الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2008 يعد متأخراً جداً لكن تود كل خلية في أن تبين إعجابها بهذا العمل. من لم يقرأ “واحة الغروب” لبهاء طاهر فقد فاته نصف عمره وربما عمره بأكمله, وأنا لا أبالغ.

مع السطور الأولى تكتشف أن بين يديك عملا بالغ التميز. اللغة رائقة وسهلة ومعجزة, تنساب في عقلك وتسلمك المضمون دون أي استغلاق أو لبس. تحكي الرواية قصة محمود الضابط الذي رقص على السلم فلا هو تبع الثوار المصريين ولا هو أصبح من الخونة. هذا هو الصراع الرئيس في الشخصية والذي يقودها إلى حتفها في نهاية الرواية.

ألف صراع يخوضه محمود, بين حبه لكاثرين زوجته وبين حب قديم في قلبه لنعمة السمراء وبين حب أحدث لفيونا أخت زوجته. بين ترقبه للموت وكراهيته, بين وده لأهل الواحات وخوفه منهم, بين قيم زرعت وتأصلت فيه عن الرجولة والوطنية والشهامة وبين ما كانت تصرفاته عليه. هو تصرف كشخص عادي يخاف على حياته. لم يكن مع الثوار وإن ساعدهم لكن حين حانت لحظة الامتحان قال في التحقيقات أن الثوار بغاة. أي ألم يعيشه رجل شريف تنازل عن بعض من مبادئه؟!

“محمود” ضابط مصري تزوج من “كاثرين” الأيرلندية وأسلمت له النظارة القيام بجمع الخراج في أحد الواحات التي قتل كل مأمور خول بذلك فيها. بداية تثير القارئ وتجعله ينتظر متشوقاً.

كاثرين الزوجة تحب العلم وتعشق الآثار والإسكندر. هي لا تبحث عن حياة الإسكندر ولكن عن وفاته. والموت هو أحد أهم شخصيات الرواية. فمحمود مع خوفه من الموت إلا أنه طالما رغب لو مات وانتهى الصراع داخله. أما كاثرين فهي تحيا صراع من نوع آخر. فقد تزوجت قبل محمود “مايكل” الذي كان يحب اختها فاشتعلت في نفسها صراعات لم تهدأ حتى النهاية.

تشرح العلاقة بين كاثرين ومحمود العلاقة بين الغرب الباحث عن العلم, المندفع للتضحية بأي شيء من أجله, وبين الشرق المثقل بهمومه السياسية الباحث عن لقمة العيش والمتعلق بها.

الرواية كلها تسير في ظل حكاية أقدم, حكاية الإسكندر الأكبر المقدوني. فالإسكندر يشترك مع الأبطال في وجود صراع يشق شخصيته نصفين حتى أنه قتل أحب أصدقائه وتخلص من أقرب الناس إليه. قتل الإسكندر هؤلاء الذين طالما زادوا عنه وعن حياته. وتألم كثيرا بعد كل مرة حدث فيها ذلك. وعاش بين الموت والحياة. وشك في ألوهيته, وبدأ يرتاب مما ظنه ثوابت.

لا أعرف حتى كينونة آمون الذي ألوذ به. هل كان رباً أو وهماً؟
وهل كان الكاهن الذي نقل لي الوحي مرشداً يخترق حجب الغيب
أو دجالا يلفق الأكاذيب؟!

كنت اقرأ الرواية وأتنقل بين فصولها المعنونة بأسماء الرواة ثم قلبت الصفحة فاكتشفت وجود فصل باسم الإسكندر, وفوجئت بأنه أحد رواة الرواية. الفكرة عبقرية, أن تجعل الشخصية المؤثرة على جميع الأشخاص والمسيطرة على الأحداث تتكلم. حين وصلت إلى هذا الفصل في الرواية أخذت أخبط كفا بكف وأصرخ “يا خرابي.. الله يخرب عقلك يا بهاء”. لكن التنفيذ لم يكتمل إلى النهاية بهذه الروعة. فالإسكندر لم يتكلم ثانية في الرواية ولو أنه سكت ما غير ذلك في سير الأحداث.

محمود إسكندر آخر يعاني من الصراع بين قيم الشهامة والوطنية وبين الخيانة والتظاهر بالفروسية والتضحية. الغدر والخيانة والبحث عن الحقيقة هم الشاغل الأكبر للبطل. هو ألف إسكندر مثقل بالهموم. حين يتكلم عن ماضيه يواتيك شعور بأنه ماسوشي محب لتعذيب الذات. لكنك لا تملك سوى أن تتعاطف معه وتدخل في دوامة الصراع المتقد داخله.

ويقول الدليل إن الصحراء تغدر لمجرد
عاصفة أتت في غير أوانها!

تعال أحدثك أنا كيف تكون الخيانة

طالما تمنى محمود لو أصبح خائنا خالصا أو وطنيا خالصا, هو بين بين لا يفهم نفسه ويحسد الخونة ويحسد الأبطال. تمنى لو أصبح كخائن الإسكندر الذي قال له عبارة هي أبدع ما قرأت في الرواية:

خذنا الآن إلى ساحة الإعدام لنكسب بموتنا
ما كنا نسعى إلى كسبه بموتك. 

لا ينحاز الكاتب لأي من الشخصيات فهم يتبادلون دور الراوي فيحكي كل منهم الحياة من منظوره, وتكتشف أن لكل منهم وجهة نظر وأنهم محقون جميعا فيما يفعلون. فكاثرين تحب محمود وتود أن تقترب منه فتصر على السفر معه إلى الواحة وتشغف بالإسكندر ويأكلها طموحها فتسبب الكثير من المشاكل لمحمود ولأهل الواحة الذين اعتقدوا أنها تذهب للمعابد كي تمارس السحر.

الشيخ يحيي رجل عجوز من الزجالة الغربيين صاحب عقل وبصيرة, في نظر قبيلته يفعل الخطأ حين يتكلم مع الوافدين الجدد (محمود وكاثرين) بعد أن فرضت القبائل هناك عليهم العزلة والوحدة. لكننا نجده على حق حين يتكلم فهو يعلم أن ما يخافون منه ليس له وجود. وهم على حق لأنهم خائفون.

الشيخ صابر يحاول تأليب البلد على بعضها وعلى المأمور الجديد ويتعاون مع اليوزباشي صبري الضابط الوصولي تركي الأصل الذي تلصص لحساب النظارة على أخبار محمود. صابر أيضا محق فهو يرى أن الشرقيين قد رأوا الأمرين. وهو يحاول تخليص قبيلته من عذاب الاشتباك الدائم مع الغربيين ويرى أن ذلك يمكن أن يتم إذا تركهم يشتبكون مع المصريين. فأهل الواحات لم يعتبروا أنفسهم مصريين حتى زمن قريب.17024309mr3

الشيخ صابر واليوزباشي صبري يمثلان محور الشر في الرواية, وصبري خائن لذا أحسن الكاتب حين أهمله لحقارة شأنه, فهو الشخصية الوحيدة المؤثرة في الرواية التي لا يخصص لها فصلا تتحدث فيه وتشرح حالها.

الشيخ يحيي وفيونا أخت كاثرين يمثلان الخير. فهما محبوبان من الناس ويعتمد عليهم الكاتب في الكشف المبكر والتنبؤ بما يحتمله مستقبل الشخصيات. فالشيخ يحيي يكشف عن حب البطل للموت وخوفه المختلط بالترقب للنهاية. وفيونا تحكي حكاية حبيبين استمرت قصتهما بعد الموت ولم يستطع ملك ظالم أن يفرق بينهما, بل امتدت أغصان اللبلاب من القبرين تتعانق وتتحدى الملك الذي تعب من قطع اللبلاب وباءت محاولاته بالفشل.

تظل الرواية مدهشة, وغرائبية خاصة فيما يتعلق ب”مليكة” التي أحبت الحياة فماتت ولم تذق حلاوتها. مليكة الجميلة المتفكرة في الكون حولها, زوجها أهلها من رجل عجوز أهانها وضربها وحين فرت منه أرادوا إرجاعها إلا أنه مات. وطبقا لتقاليد الواحة ومعتقداتها تصبح مليكة “غولة” من يراها يطارده الموت والغم والمرض والكوارث, اعتقادر غريب بأن الأرملة تجلب المصائب لأهل الواحة إلا إذا مر عليها أربعين يوما لا تستحم فيها ولا ترى أحدا.

ينبهر القارئ من مجرد التفكير في أن الأرملة حين تمر على النخل يقع, وعلى البيوت تموت البهائم ويمرض البشر, أسطورة أخرى داخل أسطورة أكبر ولغز داخل لغز. مليكة هي بنت أخت الشيخ يحيي وهي الشخصية الوحيدة التي تألمت وأحبت الحياة كما هي. لكنها تموت بعدما خرجت وهي غولة لتلقى كاثرين وتطلب صداقتها. تضربها كاثرين ويضربها محمود ويفضحانها في إشارة واضحة إلى أن الحياة سوء تفاهم كبير.

الصراع الذي يعيشه محمود يظل حتى نهاية الرواية. يقرر محمود أنه لن يسامح نفسه على تخاذله.

إذا لم تسطع أن تسامح نفسك
فكيف تطلب من الآخرين أن يسامحوك؟

ثم يقرر البطل أن الحياة خطأ وأنه الجميع على صواب, فيتجه إلى المعبد الفرعوني الذي بحثت فيه كاثرين عن أثر لنقوش توضح مقبرة الإسكندر ويهدم المعبد على نفسه.

لكن قبل أن يموت البطل بشيء بسيط يحقق لنفسه نصراً هامشيا حين يتحدث مع اليوزباشى صبري ويصارحه بأن عرابي باشا أشرف من عشرة خديويين مجتمعين” وبذا يحقق البطل انتصارا فرعيا أخيرا لنفسه ويعلن أنه لن يستمر في تخاذله وصراعه.

تضع النهاية القارئ في حيرة بالغة. هل قتل محمود نفسه حتى يلقى فيونا ونعمة السمراء بعد الموت؟ هل قتل نفسه حتى يتخلص من دنس الخيانة التي لم يرتكبها؟ هل هدم المعبد لأنه يريد لهذا البلد أن يفيق. وأن يخرج من ثباته؟ هل هي ثورة جديدة يخوضها البطل تعويضا عما فاته؟ أسئلة تجيبون أنتم عنها.

فبراير 07، 2009

من مذكرات صديقة

 

untitled

في كل ليلة أمزق قلبي..

في كل صباح يولد لي قلب جديد

يناير 04، 2009

The BIG-SIZED candles for Gaza

In the 2009th anniversary of the Christ, all nations of the world celebrate: candles are lit in churches and cathedrals; small kids await Santa's gifts; parties are held. Seven or six days before the end ofn2008, poor Palestinians tried to mobilize their resources to hold their own celebrations but they seemed unable to foot the bill of such expensive means (i.e balloons, gifts, candles, fireworks, etc.)  Being kind-hearted Israel looked mercifully at her neighbors in Gaza and decided to surprise them with a specially made gift

"Israel's fireworks in the horizons of Gaza. What a surprise"
Press on the picture to enlarge


israel_gaza_09


"Big candles for Gaza's mosques"
   Press on the picture to enlarge


stretcher
Gifts for the Kids
" A torch spot on three young sisters sleeping peacefully on some soft stretchers. Thanks Israel, you gave them a lot"

running

"Happily running to receive their Christmas' presents, Gaza's students left their schools so early"
   Press on the picture to enlarge

However, ingratitude is a human instinct. See how the Palestinians destroyed their own houses to get the blame upon the angelic air forces of Israel.
arms

"Too tired after destroying his house, an injured Palestinian is helped from the rubble"
   Press on the picture to enlarge


Ungrateful Hamas sent missile to screw Israelis' houses. The big holes will make a harsh winter for the civilians in the colonies.
hole

A big hole, isn't it?
"Scared Israelis in Netivot"
   Press on the picture to enlarge


Israeli kids had a very tiresome and stressful time playing in the bomb shelter in order not to get hit by Hamas' side walks loving missiles.
untitled "A small Israeli girl playing with a balloon and listening to music in a very crowded bomb shelter"
   Press on the picture to enlarge

A new year and a lot of events. Happy humanity. Happy universe.
Source of the pics: www.time.com

يناير 02، 2009

ماهر بحق

prison

نصف تحت الركام ونصف حر كي تصرخ وتستنجد. كي ينظر إليك الباقون, الجالسون أمام الشاشات, المتدثرون بذرائع البعد عن الخطر ويستصعبون ما أنت فيه. كي تعلن للجميع أن العدو لا يرحم. كي تشير أمك إلى صورك في صباح اليوم التالي وتقول بقلب مكلوم "ولدي".. كي يسخر منك الملتفون حول أشجار الكريسماس ويتساءلون في أي سيرك تعمل.

أيها المهرج من علمك كل هذا التهريج؟ من علمك التنكر؟ وكيف لطخت وجهك بالأبيض والأحمر دون مساحيق وبيد واحدة؟ أتعلم؟ أنت ماهر حقا. أضحكت قلوبهم.. وذبحت قلوبنا.  

سبتمبر 13، 2008

بلا مصر بلا قرف!

هكذا قال لي صديقي بكل أريحية وتلقائية.. استرخى على الفوتيه وقال بصوت واثق "بلا مصر بلا قرف"..

منذ سنوات ليست بالكثيرة كان يمكن أن أقتل شخص يتفوه بكلمات كتلك, لكنني الآن أضحك. نعم أضحك وأتذكر بيت المتنبي:

وكم ذا بمصر من المضحكات .. ولكنه ضحك كالبكاegypt-flag

في الحقيقة لم أعد أعتقد أن المشكلة هي مشكلة الحكومة وحدها. لم أعد أصب جام غضبي على المسئولين. صرت أعتقد أن كلنا مدان.. وأتذكر بين الحين والآخر كلمات صديق العمر أحمد الشمسي في حديثنا المعاد المتصل عن البلد وحالها. حيث قال لي ذات مرة "إن منطق الناس فسد" وهذا التعبير تحديدا هو ما كنت أبحث عنه.. نعم التفكير نفسه أصبح فاسدا.

أتذكر أحيانا زوجة القاضي الذي كنا نعتبره رجل الديمقراطية الأوحد(لن أصرح باسمه يمكن أكون غلطان ولا حاجة) حين أطلت في أحد المحطات لتشتكي أن ابنها لم يقبل في النيابة.. هي تقول هذا الكلام كتعبير عن الإضطهاد الذي تتعرض له الأسرة.. وأنا ألمح التفكير المصري الفاسد خلف الكلام.. فهي أدخلته كلية الحقوق كي يساعده أبوه في أن يكون مستشارا وطالما لم يقبل يكون الأمر مستغربا بغض النظر عن مجموعه.. 

لماذا نستنكر إذن نشاط السيد جمال مبارك ونية والده توريث الحكم.. فأستاذ الجامعة يصبح أبنائه معيدين بالجامعة (أحدهم قال لصديق لي :"انت جاي تاخد أماكن عيالنا" ومنعه من استلام وظيفته كمعيد. وطبعا صديقي رفع قضية رأى فيها القضاء العادل أن القسم لا يحتاج وسقطت الدعوى) والمستشار حامي العد يصبح ابنه مستشارا بعد حين ويصبح ابن عم خال أبيه حاجبا بالمحكمة أو موظفا بها..

حين أتأمل ما حدث من فضائح لمصر خلال الشهر الماضي (حريق مجلس الشورى لمدة ساعة 14679ونص دون وصول عربات الإطفاء - فضيحة بكين والعودة ببرونزية واحدة - الدويقة وما حصل بها) أقول لنفسي كيف تنكب بلاد بكل هذا في شهر ولا تشير أصابع الاتهام لفرد.. بل إن المتهمين المدانين يخرجون كالشعرة من العجين. فعبارات السلام ليست مدانة ولم تقتل أحدا.. ولا يتعب أحد نفسه بسؤال القضاء من الجاني إذن؟ الطبيعة!

زرت صديقا لي يعمل بالرياض وأتى في إجازة.. كان الرجل منبهرا بما رأى هناك.. قال لي إنه شعر بمغص في بطنه فتوجه للمستشفى.. كشف عليه الطبيب ثم سأله "أكلت برة النهاردة" رد صديقي بالإيجاب.. وبعد ثلاث دقائق وصلت الشرطة وفتح المحضر.. سأل الضابط "هل تعتقد أن السندوتشات التي أكلتها هي سبب المغص؟!ّ" صديقي يعمل بالرياض منذ عام تقريبا قال لي أنه يشعر بالفخر لأنه صار منهم وأنه يشعر بالانتماء لهم.. ثم استرخى وهو الآخر وقال بأريحية "بلا مصر بلا قرف"

يواتيني ويواتي كل شباب جيلي إحساس عميق بأن هذا البلد لم يعد لنا.. أو بمعنى أدق همومه لنا وخيراته لهم.. وهو ما أشار له مجدي الجلاد في مقاله المعنون "قضية أمن دولة"